ليس لدى الرئيس من يحاسبه ؟ !


آخر تحديث: December 20, 2016, 4:43 am


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

رغم أن الروائي الكولومبي العظيم غابرييل جارثيا ماركيز , كتب رواية " ليس لدى الكولونيل من يكاتبه " , قبل " مائة عام من العزلة " إلا أن الثانية حققت شهرة طبقت الأفاق , ذلك أنها كانت سببا في منحه جائزة نوبل , كذلك رغم بساطة وجمالية " ليس لدى الكولونيل من يكاتبه " إلا أنها اشتهرت بعنوانها , الذي دلّ على عزلة ما بعد التقاعد التي يواجهها من كان ذا سلطة وسطوة ونفوذ .

بطل رواية ماركيز يظل ملازما للبريد خمسة عشر عاما ينتظر أن يصله راتبه التقاعدي , عبثا , فيعيش بذلك أيامه الأخيرة فقيرا وحيدا يعيش مع زوجته والديك الذي ورثه عن أبنه , وبذلك يصنع الروائي الحذق " تعاطفا " مع رجل خدم طويلا في الجيش , ولم يقدم بطله " الجنرال أو الكولونيل " كشخصية مستبدة أو متسلطة , أو قاسية .

أي أن ماركيز لم يكن معنيا في هذه الرواية بأن يقدم السياق الذي تتم فيه صناعة الديكتاتور , ولا مخاطر ذلك على الناس والمجتمع , ولم يقدم وحدته ولا فقره كنتيجة عن نسق من العلاقات التي كان قد صاغها أيام كان ذا بأس , كما فعلنا _ نحن _ في مونودراما "جنون العظمة" , لكن كما قلنا فأن الرواية قد اشتهرت بعنوانها , الذي نجد في كتابة هذا المقال مناسبة لاستعارة سياقه العام .

قبل كل شيء نقول بان صناعة الفرد _ الحاكم أو الطاغية _ المستبد , الدكتاتور , إنما تأتي في سياق عام , وعادة تصنعه النخبة أو ما اعتاد عالم السياسة على صياغته , بالطغمة الحاكمة , وظهور الحاكم المستبد _ الفرد , يجيء منطبقا مع ثقافة عامة , تقبله أو تتقبله , دون أن تعي مخاطره ونتائجه الوخيمة على المجتمع والناس , وعادة ما يكون ذلك في ظل ظروف خاصة واستثنائية , فإما في ظل حكم عسكري , أو في ظل أحكام عرفية , أو في ظل الحروب والصراعات الدامية , والشعوب والمجتمعات التي عاشت في ظل الديمقراطية , حيث ثقافتها قد لفظت إمكانية قبول حكم الفرد _ المستبد , لا يمكن لحاكم فرد أن يظهر فيها .

ظهر الحاكم الفرد _ المستبد في عالم الحرب الباردة , أي بعد الحرب العالمية الثانية فيما كان يعرف بدول العالم الثالث , أي تلك الدول التي استقلت حديثا عن الاستعمار البريطاني والفرنسي الذي كان يحكمها منذ الحرب العالمية الأولى وحتى ما قبل ذلك , حين تم تنصيب قادة التحرر , أو رؤساء ما سمي بمجالس الثورة  كرؤساء للجمهوريات الناشئة , مستغلين أولا كونهم عسكريين وثانيا أنهم تولوا مسؤولية قيادة التحرير . في بداية الأمر كانت الخلايا الأولى لثورة التحرر تتشكل بشكل جماعي , حتى أن الهيئة القيادية الأولى , كانت كذلك , وما كان يمكن لحظ وجود لا فارق في الكفاءة أو السلطة بين أعضائها . أي أن قيادة مجالس الثورة كانت جماعية , على عكس ما كان عليه حال السلطة التي ثارت  عليها " الملك أو الحاكم " _ مثال ذلك مجلس قيادة الضباط المصريين الأحرار , التي ثارت ضد نظام حكم الفرد _ الملك فاروق , حيث أن النظام الجمهوري بقي يقاد من قبل هيئة جماعية , وليس من قبل فرد إلى حرب العام 67 , حيث كان عبد الحكيم عامر وعلي صبري وأنور السادات , رجالا لهم وزن إلى جانب عبد الناصر , وربما لم نلحظ فردية النظام الجمهوري إلا في عهد أنور السادات ومن ثم حسني مبارك .

في الحالة الفلسطينية , ما كان يمكن للفصائل أن تظهر وان تمثل قمة أو نموذج الحرية والتحرر لو أنها ظهرت كأحزاب مستبدة , فالانتساب لها كان طوعيا , كذلك العضو المنتسب لها يضحي بجهده ووقته وحتى بحياته من أجل ما يؤمن به من قناعات وجد في هذه الفصائل طريقه لتحقيقها .

مع مرور الوقت , خاصة مع تشكل السلطة , باتت بعض التنظيمات _ خاصة فتح وحماس _ طريقة أو وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية , وتم مس ّ ما كان مقدسا من قيم وطنية , ومن ثم دينية , من خلال ما التصق بالتنظيمات من شوائب .

لم يبق بعد الوطني والديني سوى القضاء , حيث أن المساس بالعدالة يعني تبديد ما تبقى من ثقة عامة بإمكانية إقامة دولة فلسطينية عادلة , بل إن التطلع لإقامة دولة المؤسسات هو آخر قيمة تبقّت لرفع راية الحرية والاستقلال . ودولة المؤسسات تتعاكس تماما مع سلطة الحاكم الفرد _ المستبد , لذا فان إنتاج مؤتمر فتح السابع لتلك السلطة , نجم عنه إصدار القرار غير الدستوري برفع الحصانة عن بعض نواب فتح في التشريعي !

ذلك القرار يشي كما لو كانت فلسطين في حالة حرب داخلية أو في حالة طواريء , وكما لو كان النواب موظفي سلطة تنفيذية , وليسوا مراقبين لأدائها , رغم أنهم منتخبون من الشعب , ولا يجوز رفع الحصانة عنهم إلا وفق ما نص عليه القانون الأساسي .

من الواضح أن دوافع ذلك القرار الرئاسي إنما هي كيدية وتهدف إلى " أجراء " محاكمة قراقوشية لنائب بعينه لأنه يمتلك كاريزما تنافس الرئيس , وكما لو أن عدالة السلطة قد تحققت .

أسوأ ما في الأمر هو تسخيف مؤسسة القضاء , فهي آخر ما يتبقى للناس من معالم العدالة والثقة , وأسوأ تلك القرارات هي التي تكون بدافع سياسي ويتم ألباسها ثوب القضاء , وفي الحالة الفلسطينية , غضّ الرئيس النظر وغضّ القضاء البصر عن مئات الجرائم , إن كانت تلك التي ارتكبت أبان الانقلاب في غزة وأودت بحياة المئات من المناضلين , وارتكبها أعداء الأمس , أصدقاء اليوم , أو تلك التي تبدد ملايين الدولارات من المال العام , وتضعها بجيوب الحاشية الرئاسية , يعتبر في أحسن أحواله مفارقة غريبة . فمن يحاسب الرئيس حين يخطيء , إن كان التشريعي معطلا وكان القضاء مصادرا , وبعد أن صار النظام فرديا مستبدا , ما دام النظام وفي ظل الاحتلال قد صار فرديا / مستبدا قبل الأوان ؟ !