الشعب يريد استقالة الرئيس !


آخر تحديث: December 16, 2016, 2:17 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

لا يمكن القول بأن نتائج استطلاعات الرأي دقيقة أو نهائية تماما , لكنها تعتبر مؤشرا على حالة الرأي العام , خاصة ما بين دورتي أو جولتي انتخابات عامة , فما بالنا حين يتوقف أجراء الانتخابات لسنوات طويلة متتالية , كما هو الحال الآن في الواقع الفلسطيني .

ليس هناك من وسيلة أخرى , يمكن التعرف من خلالها , على الرأي العام بما يشبه أو يقترب من الدقة , سوى استطلاعات الرأي عبر وحدات القياس التي تقوم بها مراكز أبحاث محترفة , مثل المركز الفلسطيني للبحوث السياسية , والذي عادة ما يقوم بشكل دوري بإجراء قياس أو استطلاع عام للجمهور الفلسطيني , يقف من خلاله على حجم التأييد للفصائل والشخصيات السياسية .

بشكل عام , يمكن القول بان استطلاعات الرأي عادة ما تشكل وجهة نظر عامة , تؤخذ بعين الاعتبار عند رسم السياسات العامة أو اتخاذ المواقف أو القرارات السياسية الحاسمة , وفيما يخص استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات , عادة ما تكون نسبة الخطأ قليلة , لكنها وكما حدث قبل أسابيع من الآن , فيما يتعلق بانتخابات الرئاسة الأمريكية , فان استطلاعات الرأي لم تخطيء , بل إن منظمي حملة المرشح الجمهوري دونالد ترامب كانوا على قدر عال من الدهاء , بحيث القوا بقنبلة مدير الأف بي أي جيم كومي , التي كانت سببا في إغلاق الفجوة بينها وبين هيلاري كلينتون , في الأيام القليلة الأخيرة ما قبل أجراء الانتخابات .

المهم , انه عادة ما تجيء استطلاعات الرأي لصالح الممسكين بمقاليد الحكم , لأنهم عمليا يقفون على خشبة المسرح السياسي , فيما المعارضون أو من هم وراء الكواليس , يكونون اقل حضورا وشهرة من الرؤساء والملوك والحكام عادة , لذا فان يظهر استطلاع رأي يقول بان نحو ثلثي الفلسطينيين يرغبون في أن يروا الريس محمود عباس مستقيلا , تعتبر تعليقا فاضحا للجرس السياسي .

64 % من المشاركين في الاستفتاء الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية , خلال الفترة من 8_ 10 كانون ثاني الحالي , ضمن عينة عشوائية بلغت 1270 شخصا موزعين على 127 موقعا سكنيا , قالوا بأنهم يريدون من الرئيس الاستقالة !

ومتى كان ذلك , تماما بعد نحو أسبوع من عقد مؤتمر حركة فتح السابع , الذي جعل منه " الرئيس " مناسبة لتتويجه حاكما مطلقا , ورئيسا مطلق الصلاحيات للحركة الفلسطينية التي تعتبر حزب السلطة الحاكم والعمود الفقري للحركة الوطنية وللحالة السياسية الفلسطينية !

وكأن أغلبية ثلثي الشعب الفلسطيني , وليس فقط  أعضاء ومنتسبي حركة فتح , تعبّر من خلال هذا الاستطلاع عن رأيها تجاه المؤتمر الحركي , بل وتعلن بوضوح عدم رضاها عما جرى فيه وعما خرج عنه من قرارات ومواقف !

في الحقيقة أن النسبة ليست مفاجئة , فقبل ثلاثة أشهر , عبّرت نسبة 61 % عن نفس الموقف أيضا , لكن ما هو جدير بالاهتمام والملاحظة أن النسبة زادت بعد المؤتمر الحركي , حيث ظن الكثيرون بان الرئيس قد عزز قبضته على الحركة وبالتالي عزز حضوره في الشارع الفلسطيني .

الخطير في الأمر , أن استطلاع الرأي بدأ يشير إلى أن مرشح حماس في انتخابات رئاسية قادمة سيفوز على عباس ( يحصل إسماعيل هنية  على 49 % مقابل 45 % لعباس _ في غزة يحصل هنية , على  51 % مقابل 45 % لعباس , وفي الضفة يحصل هنية على 47 % مقابل 45 % لعباس ) .

أي أن مرشح حماس سيهزم مرشح فتح , محمود عباس , لكن لو لم يترشح عباس فان الأخ مروان البرغوثي يفوز بنسبة 36 % مقابل 20 % لإسماعيل هنية , في حال كان هناك عديد المرشحين , أما لو كانوا فقط مروان البرغوثي 39 % , إسماعيل هنية 33% ومحمود عباس 24 % . أما لو جرت الانتخابات بين البرغوثي وهنية فقط , فيحصل البرغوثي على 59 % مقابل 36 % لهنية .

هذا يوضح بما لا يدع مجالا للشك , كيف التقت مصالح حماس والرئيس محمود عباس , في الإبقاء على القائد مروان البرغوثي أسيرا , ولم تجنب مؤتمر فتح انتخاب نائب لرئيس الحركة , خشية أن يتم انتخاب مروان البرغوثي للمنصب , وان الكلام عن وجود صفقة سياسية بين الرئيس عباس وحماس , تم التوصل إليها في الدوحة قبل المؤتمر مباشرة , إنما هو كلام " في منه " فحماس بدأت تدرك أن استمرار الرئيس محمود عباس رئيسا لحركة فتح ورئيسا للسلطة , يزيد من فرض فوزها بأية انتخابات _ رئاسية خاصة _ قادمة .

لذا فانه بات من الوجاهة بمكان القول بان " وريث " محمود عباس في رئاسة السلطة الفلسطينية , وربما في رئاسة م ت ف سيكون من حماس , وربما لا يكون هو الشخص نفسه , فربما أن الدوحة قد شهدت اتفاقا سريا " اتفاق أوسلو الداخلي " الذي بموجبه عقد مؤتمر فتح السابع لتعبيد الطريق أمام كل من إسماعيل هينة كرئيس قادم للسلطة , وريثا لأبو مازن في هذا المنصب , وخالد مشعل كرئيس ل م ت ف , ووريثا لنفس الرجل في المنصب , لذا فان كلمات الغزل المتبادل بين الرجلين ( عباس ومشعل ) عبر انعقاد المؤتمر التي كانت واضحة للعيان , جاءت كأثر طبيعي عن احتمال وجود مثل ذلك الاتفاق .

هذا ما يقوم بترتيبه الرجال الثلاثة برعاية الأمير القطري , لكن _ بالتأكيد إن للشعب الفلسطيني , ومنه فتح التي ما زالت اكبر فصيل فيه , كلمه وقول فصل , ومن يعلن عبر استطلاعات الرأي رغبته برحيل الرئيس , لا يقبل من يقوم بتوريثه بنفسه , وإذا كانت الأغلبية تقول بان الشعب يريد أن يستقيل الرئيس , فمن الخير له أن يستقيل بنفسه , قبل أن يقيله الشعب بشكل غير لائق , كما فعلت الشعوب العربية بالأمس مع غير رئيس كان له صولجان اكبر بكثير مما لدى رئيس حركة فتح , رئيس السلطة الفلسطينية , رئيس دولة فلسطين تحت الاحتلال !