تهديدات ضاغطة: "التجنيد الإلزامي" في الخليج.. هل حان وقت التطبيق؟


آخر تحديث: December 14, 2016, 2:09 pm


أحوال البلاد
بقلم: د. إيمان أحمد عبد الحليم

تهديدات ضاغطة:

ظلت دول مجلس التعاون الخليجي لفترات طويلة، ضمن الدول التي لا تُطبق نظام التجنيد الإلزامي، إلا أن ثمة دعوات متدرجة ومتصاعدة من داخل المنطقة لتطبيقه، والتي بدت جلية في توصيات ورشة عمل "الأمن في عيون الشباب" التي نظمتها الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي في الثامن من نوفمبر 2016، ويعد من أبرز تلك التوصيات تبني مشروع التجنيد الإلزامي للشباب. أضف لذلك، دعوة مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ في السادس عشر من نوفمبر الجاري لتطبيق نظام التجنيد الإلزامي، خاصةً مع تصاعد التهديدات الأمنية المحيطة بمنطقة الخليج العربي.

وكانت بعض الدول الخليجية (الكويت وقطر والإمارات) قد شهدت خلال الأعوام الثلاثة الماضية تطورًا ملحوظًا فيما يتعلق بتطبيق نظام التجنيد الإلزامي، الأمر الذي يستدعي إلقاء الضوء على واقع هذا النظام في دول مجلس التعاون، ودوافع تطبيقه، وطبيعة الصعوبات التي تواجهه لاسيما في ظل المخاطر التي تهب على دول الخليج من كل اتجاه، وعبر فواعل تقليدية وغير تقليدية لتصبح دول الخليج إزاء تهديدات ضاغطة "فوق تقليدية".

واقع "التجنيد الإلزامي":

بعد تعطيل قانون التجنيد الإلزامي في الكويت منذ يونيو 2001، أعاد مجلس الأمة العمل به بعد أن طرحته الحكومة للنقاش في 7 أبريل 2015، محاولة تلافي بعض سلبيات القانون القديم. وقد نصّ قرار المجلس على تنفيذ القانون بعد عامين من نشره في الوسائل الرسمية، مع الموافقة على توصية تقدم بها عدد من النواب بأن يكون العاملون في القطاع الخاص مستثنين من الخدمة الوطنية العسكرية، تشجيعًا للكويتيين على العمل في القطاع الخاص، مما يؤدي إلى تخفيف العبء عن القطاع الحكومي، وبما يتماشى مع أهداف الخطة التنموية للدولة.

وتُطبق قطر نظام التجنيد الإلزامي بموجب قانون أصدره أمير الدولة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بشأن الخدمة الوطنية في 11 مارس 2013، وعليه شرعت الدوحة في تدريب أول دفعة من برنامج الخدمة العسكرية الإلزامية في إبريل 2014، والتي ضمّت 500 مجنّد.

أما دولة الإمارات فقد أصدرت قانونًا اتحاديًّا في يونيو 2014 بشأن تطبيق الخدمة الوطنية والاحتياطية يُلزم المواطنين الذكور من فئة الشباب بالتجنيد العسكري، بينما منح القانون الإناث حرية الاختيار في دخول الخدمة العسكرية من عدمه باشتراط موافقة ولي الأمر.

أمّا فيما يخص كلا من سلطنة عُمان ومملكة البحرين، فلا تُوجد مؤشرات آنية ملموسة تُشير إلى قرب أخذ أيٍّ من الدولتين بنظام التجنيد الإلزامي، في حين أن المملكة العربية السعودية، وعلى الرغم من أنها أعلنت عدم حاجتها إلى تطبيق هذا النظام في الوقت الحالي، إلا أنها لم تُغلق المجال تمامًا إزاء إمكانية تطبيقه في المستقبل إذا استدعت الضرورة ذلك.

وقد بررت السعودية عدم الأخذ بنظام التجنيد الإلزامي في الوقت الراهن، بالإقبال الكبير من قِبل المتطوعين من شباب هذا البلد على الالتحاق بالقطاع العسكري، وبما يفوق الاحتياج الفعلي للقوات المسلحة السعودية، بحسب تأكيدات وزير الحرس الوطني السعودي الأمير متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز.

ومع ذلك، لا يزال الجدل مستمرًّا داخل السعودية حول مدى أهمية اتخاذ هذا القرار، لا سيما بعد أن جدد المفتي العام للمملكة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، الدعوة إلى تطبيق التجنيد الإلزامي، في 16 نوفمبر 2016 خلال التمرين الأمني المشترك "أمن الخليج- 1"، حيث اعتبر أن "من باب شكر النعمة أن يكون شبابنا في حال استعداد دائم للدفاع عن الدين والوطن، من خلال تدريبهم عبر التجنيد الإلزامي".

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يدعو فيها مفتي السعودية إلى فتح باب التجنيد، إذ سبق أن طرح تلك الفكرة في عام 2015، بالتزامن مع انطلاق عمليات "عاصفة الحزم" في اليمن، وتصاعد حدة التهديدات الإيرانية، وقد شهدت تلك الدعوة في تلك الفترة تأييدًا من قِبل عدد من العسكريين والأكاديميين السعوديين وأعضاء بمجلس الشورى السعودي، وصاحبتها دعوات إعلامية لتذكير السعوديين بأحداث سابقة عندما شارك متطوعون بينهم أبناء الملك عبدالعزيز (فهد وعبدالله وسلمان) ضد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956.

دوافع الاهتمام:

يُشير البعض إلى عددٍ من الأسباب التي تفسر تنامي الاهتمام بقضية التجنيد الإلزامي، حتى بين دول الخليج العربي التي لم تطبق هذا النظام، ومن أبرزها ما يلي:

أولا- تعزيز الهوية الوطنية: يأتي هذا البُعد في مقدمة الأسباب التي يستند إليها الداعمون في دعوتهم لتطبيق نظام التجنيد الإلزامي، على اعتبار أن هذا النظام لا يُساعد فقط في تأهيل وتدريب المواطن الخليجي عسكريًّا لمواجهة أي خطر يواجه الدولة، ولكن الأهم أنه يساعد في تعزيز الولاء والانتماء للدولة، بما يُعزز الهوية القومية الخليجية، ويُساعد في غرس القيم الحميدة والخصال الوطنية والمجتمعية الرفيعة في نفوس الشباب المجند، من قبيل: الانتماء للوطن، والتضحية في سبيله، والانضباط، وتحمل المسئولية، والاعتماد على الذات، واحترام القانون، وحسن استثمار وإدارة الوقت، الأمر الذي تزداد أهميته في خضم الاضطرابات القائمة في المنطقة، واستغلال عدد من التنظيمات الإرهابية للطاقات الشبابية في تنفيذ مخططاتها الإرهابية التي تُؤثر في أمن واستقرار المنطقة، بدلا من توجيه هذه الطاقات في تعزيز الهوية القومية للمواطنين.

ثانيًا- سيولة التحولات الإقليمية: إذ تشهد البيئة الاستراتيجية المحيطة بمنطقة الخليج العربي تغيرات مستمرة ومتسارعة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، وخاصة منذ اندلاع ثورات "الربيع العربي"، تقتضي مجابهة مثل هذه التطورات والتحولات وتداعياتها المحتملة على دول الخليج العربي عبر تبني سياسات فعّالة، واتخاذ تدابير احترازية طويلة المدى، لضمان الحفاظ على أمنها، وصون استقلالها وسيادتها الوطنية. وتزداد أهمية ذلك في ظل تغير موازين القوى الدولية والإقليمية، وتراجع الدور الأمريكي نسبيًّا في التدخل الفاعل في قضايا المنطقة العربية، مقابل الدور الكبير لروسيا الذي لا يصب -من وجهة نظر البعض- في صالح دول الخليج العربي في معظم الأحوال، والمثال الأوضح على ذلك هو الدعم الروسي العسكري المباشر لنظام الأسد في سوريا مقابل ضعف الموقف الأمريكي في دعم الاتجاه الخليجي العام إزاء تطورات القضية السورية.

ثالثًا- تمدد السياسة الإيرانية: حيث يلاحظ أن التوجه الخليجي نحو تطبيق نظام التجنيد الإلزامي، جاء في أجواء تشهد فيها منطقة الشرق الأوسط اضطرابات متواصلة، على خلفية ما يجري في سوريا والعراق واليمن، وتنامي الدور العسكري لإيران في كل هذه الملفات، والذي استدعى معه -على الجانب الآخر- تفعيل دول الخليج العربي لدورها لأجل موازنة نفوذ طهران، وقيادة المملكة العربية السعودية لعملية "عاصفة الحزم" العسكرية في اليمن بهدف التصدي لمليشيات الحوثي المدعومة من إيران. وكانت تلك العملية على نحو خاص سببًا في تنامي الإدراك الخليجي لأهمية وجود فرق وطنية مؤهلة تقوم بالدفاع عن الوطن، وبناء جيوش وطنية قادرة على توفير الحد الأدنى من الدفاع الذاتي للدولة، لا سيما في أوقات الطوارئ والأزمات.

رابعا: مخاطر الجماعات الإرهابية: تتضاعف تلك الحاجة مع تمدد نشاط الجماعات الإرهابية والمسلحة في المنطقة، وفي مقدمتها "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش) معتمدًا بالأساس في تنامي دوره على ما يمتلكه من عناصر بشرية. وفي إطار هذا الوضع، تنامت الدعوات للأخذ بنظام التجنيد الإلزامي، أو دراسته جديًّا على أقل تقدير، من منطلق تأكيد أن دول المنطقة، وبرغم ما تمتلكه من ثروات كبيرة مكَّنتها من حيازة قدرات تسليحية حديثة، فإن غياب نظام التجنيد الإلزامي لديها ربما كان السبب في عدم امتلاكها نظامًا للتعبئة العامة لقوات الاحتياط، الأمر الذي قد يُخل بتوازن القوى التقليدي بينها وبين دول الجوار التي لديها طموحات توسعية، مع تعاظم الحاجة أيضًا لمواجهة التنظيمات الإرهابية المسلحة التي تعتمد في قوتها على العامل البشري بالأساس.

خامسًا- العوامل الاقتصادية: وترتبط بالوفرة النفطية بالأساس، فمن جهة أولى تحتاج الوفرة النفطية التي تتمتع بها دول الخليج العربي إلى جيش وطني يحميها ضد أي مخاطر أو أطماع محتملة، ومن جهة أخرى من المهم استثمار هذه الوفرة في تأمين قوة ردع عسكرية ذاتية، ترتكز إلى عناصر وطنية مدربة ومؤهلة يمكن توظيفها تعبويًّا وتكتيكيًّا لمواجهة إفرازات وتداعيات التحديات الراهنة في المنطقة، اعتمادًا على قدراتها الاقتصادية، والعلمية، والتكنولوجية، وأيضًا على مواردها البشرية، بما يضاعف من دورها وتأثيرها الإقليمي والدولي.

سادسًا- المكاسب الاجتماعية: هناك توجه سائد في دول الخليج يرى في التجنيد الإلزامي حلا لبعض الظواهر الاجتماعية السلبية. ذلك أن تدريب الشباب الخليجي على الشدة والقوة والاعتماد على الذات ينعكس إيجابيًّا على شخصيتهم وسلوكهم وأدائهم، حتى في حياتهم الخاصة، والأهم هو توجيه قدراتهم نظاميًّا لخدمة أوطانهم، فضلا عن أن هذا النظام يسهم في ضم شريحة من الشباب من الفئات العمرية المتوسطة إلى المنظومة العسكرية، بما يدعم كفاءة المؤسسات العسكرية والدفاعية الخليجية في صد أي عدوان، والتصدي لأي تهديدات خارجية محتملة.

تحديات التطبيق:

رغم ما للتجنيد الإلزامي من فوائد، فإن المبادرات الوطنية الخليجية على صعيد الأخذ بهذا النظام ربما تواجه بعض التحديات، لأسباب سياسية ومجتمعية، ولإشكاليات لوجستية وإدارية ومالية، يمكن معها تفسير التباين بين دول الخليج العربية ذاتها في تطبيق هذا النظام، وهي على النحو التالي:

أولا- التحديات المالية: إن التجنيد الإلزامي لجُلّ العناصر الشبابية يستدعي توفير مخصصات مالية كبيرة، خاصة في المراحل الأولى لتطبيقه، حيث تكون الحاجة ملحة لتوفير البنية الأساسية ووسائل الدعم اللوجستي اللازمة له. ولا شك في أن تخصيص ميزانيات ضخمة للتجنيد يعد تحديًا كبيرًا، في ظل توقعات بتراجع الإنفاق الحكومي في الميزانيات العامة لدول الخليج العربي خلال السنوات القادمة نتيجة تراجع أسعار النفط عالميًّا.

كما أن هذا النظام ستكون له تأثيرات أيضًا على القوة العاملة في دول الخليج التي لا تزال في حاجة إلى استكمال مخططاتها التنموية، والاستفادة من قدراتها الشبابية في هذا الشأن، وهو ما يمكن معه تفسير نص القرار الكويتي بشأن قانون الخدمة الوطنية، والذي استثنى منه العاملين في القطاع الخاص.

ثانيًا- التحديات الإدارية والفنية: هناك أيضًا التحدي المتعلق بمدى قدرة الأجهزة الحكومية، ممثلة في وزارات الدفاع ومؤسساتها، على استيعاب المتقدمين للتجنيد، وتوفير التدريب والتأهيل اللازم لهم؛ حيث تشير خبرة بعض الدول الخليجية -وتحديدًا في الكويت- إلى أن التجنيد الإلزامي حين طُبِّق في السابق عانى من سلبيات عدَّة كان من أهمها ضعف التدريب والتأهيل لأعداد المجندين الكبيرة مقابل الكلفة المالية الباهظة.

ثالثًا- التباين في تقدير المكاسب الاجتماعية: رغم ما يراه البعض من فوائد اجتماعية كبيرة للتجنيد الإلزامي، يرى آخرون أن هذا النظام ليس خيارًا جيدًا بالضرورة، فالدول التي تتصدر الآن اجتماعيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا وحتى أخلاقيًّا على المستوى الدولي لا تطبق التجنيد الإلزامي بالضرورة، مثل اليابان التي لا تملك حتى جيشًا نظاميًّا، فيما أن هناك عدد من الدول التي أقرت التجنيد الإلزامي كان لديها مبرراتها، وغالبًا ما طبقته في أوقات الحرب وليس السلم.

رابعًا- الطبيعة التكنولوجية للحروب: إن المواجهات بين الدول لم تعد تعتمد بالكامل على العنصر البشري كاعتمادها على الطرق والتقنيات التكنولوجية الحديثة، كالأسلحة المتطورة، والطائرات من دون طيار، إضافة إلى اقتناء الصواريخ والمعدات المتطورة التي تقلب موازين المعادلة في الميدان. وإن كان يُردّ على ذلك بأن المعارك في التحليل الأخير لا يحسمها سوى الأفراد في أرض المعركة، فإن كانت التكنولوجيا والتفوق الجوي والتقني لها دور مؤكد في إضعاف قدرات العدو، إلا أنها ليست لها القدرة المطلقة على حسم المعارك. والمثال الأوضح على ذلك هو صعوبة المواجهات التي تخوضها القوى الإقليمية والدولية في مواجهة تنظيم "داعش" الذي يعتمد بالأساس على العناصر البشرية لديه لتدعيم وجوده على الأرض.

وفي ضوء دوافع وتحديات تطبيق نظام التجنيد الإلزامي في دول الخليج العربي، يمكن القول إن الأخذ بهذا النظام في كثير من الحالات يمكن أن يكون مدخلا استراتيجيًّا نوعيًّا لبعض الدول يساعدها على تعظيم استفادتها من إمكاناتها البشرية على الوجه الأكمل، وبما يصب في رفع مؤشرات القوة العسكرية لديها في مواجهة التهديدات المتنامية على الصعيد الإقليمي، خاصة أن الاعتماد على التكنولوجيا التسليحية المتطورة وحده دون توفر العنصر البشري الوطني الماهر والمدرب والمحترف ليس كافيًا بذاته لبناء الجيوش الاحترافية.

ولكن مع ذلك يمكن فهم عدم التطبيق الشامل لهذا النظام على مستوى كل دول الخليج العربي، واختيار بعضها لنظام التجنيد "الاختياري"، للاختلافات الطبيعية بينها، ومواءمة كل منها للجدوى والتكلفة، والأهم هو تباينها فيما تملكه من عناصر بشرية أو قدرات تكنولوجية متطورة بل وضخامة التهديدات الأمنية التي تواجهها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* د.إيمان أحمد عبد الحليم، باحثة بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

المصدر: "مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة" الصادر من "أبو ظبي" الإمارات العربية المتحدة