الثقافة باعثة الهوية


آخر تحديث: November 17, 2016, 6:25 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

بعد نكبة العام 1948 التي حلت بفلسطين وشعبها , اعتقد الكثيرون , بان النكبة التي حلت , قد حطمت الروح المعنوية للشعب الفلسطيني , الذي وجد نفسه بين ليلة وضحاها مشردا وموزعا على دول الجوار , مثل نبتة أو شجرة اقتلعت من جذورها , وليس أمامها , إلا بعض وقت , حتى تذبل , ثم تجف , فتموت , وقد ظهرت روح اليأس والإحباط في بكائيات شعرية تلت واقعة النكبة مباشرة .

لكن طائر الفينيق الفلسطيني سرعان ما عاود التحليق , فما إلا بضع سنوات , وكان المبدع الفلسطيني يظهر هنا وهناك , مبشرا بالثورة , وباعثا للهوية الوطنية , موحدا الوعي والوجدان , فمع نهاية خمسينيات وأوائل ستينيات القرن الماضي , ظهر شعر المقاومة الفلسطينية , من حيث لم يحتسب الإسرائيليون / الصهاينة , من قلب فلسطين ال48 , انطلقت ثلة من الشباب الفلسطيني تتغنى بهويتها الوطنية وتبعث الروح الفلسطينية في الشجرة التي ظن البعض أنها ذبلت أو جفت , فسرعان ما اخضرت ونمت أغصانها حتى ملأت المكان كله من حولها .

قبل أن تنطلق الثورة المعاصرة , إذا , بنحو عقد من السنين , انطلقت الثقافة الفلسطينية بإبداعها المقاوم , فأسست للهوية الوطنية , بعد أن تاهت البوصلة بين هويات متعددة , قومية أو دينية , أو حتى عائلية / عشائرية , قبل العام 48 . ولأن الثقافة تعمل في حقل الوعي , فكان أن منحت الثورة الفلسطينية التي انطلقت تاليا عام 65 / 67 الوعي الذي يميز بين بندقية مقاتلة وبندقية قاطعة للطريق كما قال يوما الراحل غسان كنفاني , وحيث عرف محمود درويش , سميح القاسم , توفيق زياد , إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا , بأنهم شعراء وكتاب فلسطينيون , ظهر مع القوة العسكرية اسم فلسطين مع م ت ف , ثم انطلق عاليا مع كل انجاز سياسي .

الثقافة الفلسطينية التي أطلقت عنوان وإطار الهوية الوطنية قبل عقود , حافظت على هذه الهوية خلال تلك العقود ذاتها , فان تظهر مكونات الهوية وسماتها من فولكلور وتراث شعبي , بين مفردات الشعر الفلسطيني , وبين ألوان البوسترات واللوحات الفنية , كذلك أن يعاد إنتاج الميجنا والعتابا من خلال الفرق الفنية , يعني كل هذا الحفاظ على التراث الذي لا يمكن الحديث عن هوية وطنية خاصة دونه , ورغم أن " إسرائيل " حاولت بهدف إخفاء كل معالم جريمتها عام 48 أن تطمس هذا التراث , بل وان تنسبه كله أو بعضه لاحقا لها , إلا أن الفعل الثقافي الوطني / المقاوم , فوّت عليها وما زال يفوت عليها إلحاق جريمتها السياسية بجريمة ثقافية .

رغم كل ما حققته الثقافة الوطنية الفلسطينية من انجاز ببعث الهوية ومن ثم الحفاظ عليها , فأنه ما زال منوطا بها , ومتوقعا منها أن تواصل الدفاع عن الهوية الفلسطينية , في كل مكان , وخاصة داخل حدود فلسطين التاريخية / الجغرافية , فبعد تراجع قوة الدفع السياسي , لابد من فتح جبهة الثقافة على مصراعيها , في وجه إسرائيل كفعل مقاوم , وعلى الداخل الوطني كفعل موحد , بعد أن دبت الخلافات والانقسامات الداخلية , مما اضعف القدرة الوطنية على تحقيق الأهداف الوطنية .

طوال عقود لازمت الثقافة السياسة في الإطار الوطني , وكانت الثقافة ذات العمق الاستراتيجي هي بوصلة السياسة حين تواجه المنعطفات , وكان مؤتمر اتحاد الكتاب " بروفة " المجلس الوطني , لكن منذ أن ولج المناضل الوطني منعرج السلطة الذاتية , تمّت تنحية الثقافي أو إطلاق ما يمكن وصفه بثقافة السلطة , بديلا عن الثقافة الوطنية / المقاومة , بل وتبريد الجبهة الثقافية التي تمثل مصدر قوة لنا , ونقطة ضعف لإسرائيل التي هي بلا تاريخ ثقافي , لذا فان إطلاق طائر الفينيق مجددا , يتطلب إعادة الروح للثقافة الفلسطينية من حيث هي باعث للهوية وموحد لها , والسير على الطريق المعاكس لمسار النكبة , بجمع أشتات الهوية وتوحيد الفلسطينيين _ ثقافيا / أولا _ حتى يمكن تحقيق كل الأهداف الوطنية تاليا .

( رجب  الطيب )

رجب أبو سرية