كرابيج الرهط المؤمن


آخر تحديث: March 14, 2019, 8:57 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

لطالما استخدم الناطقون الحمساويون في هجومهم على أمن السلطة في رام الله، تعبير جماعة "دايتون"، بمعنى أن قوات الأمن الفلسطينية، التي انضوت في المشروع التدريبي لأعادة تأهيلها، كانت أثناء التدريب تحت إشراف الجنرال الأمريكي "كيث دايتون" فيما هو يشغل موقع المنسق الأمني الأمريكي للشؤون الأمنية الفلسطينية ــ الإسرائيلية. وبالمناسبة، بدأ المشروع في عهد حكومة هنية الأولى بعد انتخابات يناير 2006 وهنيّة هو الذي وقّع عليه بخط يده. لكن من يتابع طريقة أداء الأمن الحمساوي في غزة، وينظر اليها بعين المُلم بأنواع المدارس العسكرية ومناهج تدريباتها، يرى أن طريقة الأمن الحمساوي وهو يقمع التظاهرات ويدهم البيوت، تنتسب الى المدرسة الإسرائيلية حصراً. نقول ذلك بغير تحامل أو افتراء، ونزيد عليه بالتأكيد أن الفارق الطفيف بين جيش الإحتلال وأمن حماس، لا سيما في طريقة التصرف عند دهم البيوت، يُسجل لصالح الأول، لأن جيش الإحتلال صاحب المدرسة الأصلي، والأبرع في التدريب والتطبيق؛ يتحاشى في معظم الحالات، سب النساء في أعراضهن، لذا تراه ولمقاصد شتى، يحرص على ضبط ألفاظ جنوده عند دهم المنازل، مع الإيحاء للجيران أن المقصودة بالدهم أسرة واحدة ليس غيرها، وليس المجتمع ولا العائلة ولا سائر البيوت الأخرى. ذلك لأن شلومو اللئيم، يتصرف عندئذٍ، كمن يريد العنب ولا يريد مقاتلة الناطور، أما الأرعن المأزوم ضعيف التدريب، فهو يريد مقاتلة ناطور الكرم قبل العنب، ويريد زجر الناس جميعاً،  ويملؤه الجموح والإندفاع الى استعراض غلاظته، وهو في ذلك يتمثل الحركات نفسها التي يؤديها الجندي الإسرائيلي، وهذا كله أسوأ وأحقر من منهجية دايتون!

يخطيء هؤلاء الذين يدفعون الأولاد المسلحين الملثمين، باسم الأمن التنفيذي، للانقضاض على الناس؛ إن ظنوا أننا سنجاملهم وسنصمت على عنفهم الموتور أو سنخشى ثرثرتات تخوينهم أو صيغ كلامهم الفارغ الذي لم ينتج إلا الخيبة. ذلك لأن كرامة الناس وحقها في التظاهر وفي التعبير على رأيها خط أحمر. ثم إننا في هذا المجتمع، متساوون في المظلومية ومضروبون بالكرابيج، وبالتالي ليس أقبح من مظلوم يرتدي بزة عسكرية ويغطي رأسه بلثام، فيتمثل دور الغالب والقوي ذي العنفوان، ويقمع أخيه المظلوم بكرابيج الرهط المؤمن. ومعلوم منذ بدايات انقلاب حماس، أن أشد هؤلاء غلاظة على الناس، هم أبناء الذين قمعتهم حركة النضال الفلسطيني أثناء الإنتفاضات، أو تعقبت آثارهم الضالة، بل إن من بينهم من ضبطتهم مصالح الأمن الحمساوية نفسها، وحاكمتهم ودانتهم بالخيانة، لأن أذاهم ارتد عليها!

لا تزال هناك فرصة سانحة لحماس، لكي تقف وقفة موضوعية مع الذات، فتراجع تجربتها، وتضع يدها على مكامن الخلل والرعونة والكذب والفساد والبذخ ومصادر إنتاج وبيع الأوهام والسياقات الخطابية العبيطة، وغرائز اعتصار المجتمع. ولا بأس إن عاد الحمساويون القادة، الى رأي رسول الله في المكوس والضرائب. فقد كان عليه السلام يكره أهل المكس مثلما يكره الكافر. فعندما رُجمت المرأة الغامدية التي اعترفت بالزنا، لم يرض النبي الكريم أن يتشفى بها واحد من أصحابه ويسخر منها وهي تموت، فانتقى ألفاظه وهو يزجر الساخر: "لقد تابت توبة، لو تابها صاحب مَكْسْ، لغفر الله له". ومن هو صاحب المكس؟ إنه من يقرر الضريبة وينتزعها من قوت الناس ويسهم في إشقاء حياتهم!

الحاقدون على حماس، يريدونها أن تظل متورطة فيما هي فيه، وبالطبع تسعدهم الهجمات المعتوهة التي يتمثل فيها الحزانى أدور الجلادين. فمن هم الذين يجلدهم هؤلاء؟ إن مثل هذا الشطط الآثم، يبريء العدو ويجعله في مرتبه أخلاقية أفضل، بينما هو الأكثر وضاعة أخلاقية على كوكب الأرض. على الأقل سيقول المحتلون إنهم لا يهجمون على شعبهم، ولا يعتقلون معارضاً مثل شلومو ساند ــ مثلاً ــ الذي يؤلف الكتب ويقول فيها إن إسرائيل دولة ملفقة وشعبها ملفق.  ولا تطرد سلطاتهم بذريعة نشر الفتنة،  جدعون ليفي من جريدة "هأرتس" الذي يهاجم سياسة كل الحكومات. وماذا سيكون موقف حماس إن أعلن العدو عن إدانة القمع في غزة، مثلما عارض حصار السلطة لها واختار التخفيف طلباً لاسترضاء الناس وتحاشياً لردود أفعالها.

الذين خرجوا في غزة يتظاهرون ويهتفون "بدنا نعيش" ليسوا مترفين يلعبون أو بلا آلام ومصاعب خانقة. فهؤلاء لم يخرجوا من فراغ. إن إنكار الواقع هو نصف الخيبة، وتكملتها المكابرة والاستمرار في العناد، والمراوحة في مربع الأوهام!