في مناخ من الهواء الناقص


آخر تحديث: March 10, 2019, 4:56 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

مضى رئيس السلطة ولجنته المركزية، في موضوع التكليف الحكومي لواحد من هذه اللجنة، دون أن يشرح لنا شارح، كيفية تعيين الفارق بين حكومة تطيع رئيس السلطة، يرأسها واحد من غير أعضاء مركزيته، وأخرى يرأسها واحد من أعضاء مركزيته لن يكون إلا طائعاً مثل سلفه. فمن الواضح أن أمرنا، في كلا الحالين، سيظل يراوح في مربع الإنقسام، وأن كل أنواع الكلام، بعدئذٍ، ستكون مستهلكة، وسيظل كل انسداد مسدوداً، وسوف يستمر كلٌ من  الفريقين اللذين يحكمان في غزة والضفة، في السيطرة على المجتمع بقبضته الأمنية، وفي إفراغ حركته من محتواها السياسي والنضالي، لتصبح كلٌ من فتح وحماس، بدل أن تترصد الإحتلال والإستيطان وتسهم في النهوض الشعبي؛ تتقصد مؤسسات النظام الوطني، والمنظمات الأهلية، وتشوه الحياة السياسية، وتعطل العملية الانتخابية، وتقمع الرأي الآخر وتستغل نقاط الضعف والألم في المجتمع، بدل الإستفادة من نقاط القوة والاقتدار، وتسمم الفضاء الإعلامي الذي ينبغي أن يركز على الهموم الوطنية العامة والعلل الحقيقية، وليس على التُرَّهات والسجالات الداخلية.

في هذا المناخ من الهواء الناقص، يُكلف عباس عضو مركزيته محمد اشتيه، بتشكيل حكومة توصف بأنها فتحاوية، سمتها الأهم أنها لا تطلق على نفسها، ولو لفظياً، حكومة وفاق وطني. وفي غزة يستمر إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في تسيير الجهاز الحكومي في القطاع، دون أن يصف نفسه رئيساً لحكومة غزة. فكل شيء في وطننا يمكن ممارسته ثم التعبير عنه بالإلتواء.

في رام الله،  لن يكون المكلف بالتشكيل هو الذي يختار جميع أعضاء حكومته أو حتى بعضهم. فالأسماء يجري تجميعها في ورقة صغيرة في جيب سترة عباس. والرجل معلومة خياراته في الناس. فبعد كل رزيّة أو مفسدة، لأحد المقربين منه، يعلو شأن الشائن ويُكلف بعمل أكثر مدعاة للأمانة وللأمين. وليس أحب اليه من اللص الناعم، الذي ينافقه ويمتص سخريته بامتنان. على الرغم من ذلك، ليس هذا هو الأساس في تحديد مكمن الخلل. فالأساس هو أن التكليف يُوحي، ابتداءً، أن بيننا وبين الانتخابات المزعومة أمداً بعيداً. فلو لم يكن الأمد بعيداً، لكانت حكومة الحمد الله، هي الإنتقالية الكافية، باعتبارها ــ على الأقل ــ  أقرب في تسميتها "الوفاقية" الى مهمة التحضير لانتخابات يشارك فيها الجميع. فضلاً عن ذلك فإن التكليف يعني طي ملف المصالحة، وإدارة الظهر لغزة، والتذرع بمبدأ عدم إجراء انتخابات دون مشاركة غزة والقدس، للاستمرار في تغييب المؤسسات الدستورية والإرادة الشعبية.

أغلب الظن، أن كُلاً من الفريقين اللذين يحكمان في الضفة وغزة، ليس على قناعة بأن هناك حدوداً لدى الشعب الفلسطيني، ينتهي عندها احتمال الإهانة التي يمثلها الإستمرار في التجاوز عن إرادته وخياراته وفرض الرضوخ عليه. فلا يخطر على بال هؤلاء، أن كأس الظلم يمكن أن تفيض، لا سيما وأن الفريقين يدركان أن المواطن الفلسطيني يهادن في القضايا الخلافية الداخلية، ومن بينها قضايا حقوقه السياسية، خوفاً على الوطن والقضية. فهو يفضل أحياناً شراء السلم الإجتماعي بصمته وصبره.

الحكومات تتبدل، في الكيانات الرئاسية التي يتولى فيها رجل واحد البت في المسائل الجوهرية على أصعدة المال والسياسة والأمن؛ إما لاستدراك خطأ  في منهجيات التنمية، أو لطي صفحة حكومة فشلت في التغلب على مشكلات اقتصادية ــ إجتماعية راهنة. ويبدو أن تكليف اشتيه، جاء لتحقيق هدف معكوس، وهو مفاقمة كل الأزمات الراهنة على المستوى الوطني، لإطالة أمد الخصومة، لكي تظل الفجوة قائمة بين الضفة وغزة، ويظل مصير الموسسات الدستورية معلقاً، والتفرد سارياً ومسلطاً على الرؤوس، ويظل كل طرف، يتهم الآخر، بأنه هو الذي يتواطأ ويساعد على التمكين لصفقة القرن. إن هذا ما يمكن قوله في مناخ الهواء الناقص، وحيثما لا تتقدم أية حكومة عباسية ببيانها الوزاري، ولا يناقش أداءها مجلس أو إنسان أو هيئة، ولا تعليل شافياً لموجبات تكليفها!