الإنتخابات مع صياح الديك


آخر تحديث: March 7, 2019, 7:01 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

في حال أن يتحقق الشيء الغريب وغير المتوقع، فتسبق الإنتخابات الرئاسية والتشريعية التوافق الوطني على استعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني؛ سيكون الممسكون بمقاليد الأمور في بلادنا،  قد سجلوا براءة اختراع عجيب لم تعرفه الكيانات من قبل، وهو أجراء انتخابات عامة، تشمل الجميع، في بلد لا يجتمع شمله، وليس فيه حياة دستورية ولا مؤسسات ولا قانون موحداً،  بل لا اتفاق فيه على وظيفة الكيان السياسي وأهدافه وطبيعته!

حتى الآن، سيكون من الصعب الذي يلامس المستحيل، أن تُجرى انتخابات في ظل هذه الأوضاع. أما تحرك لجنة الانتخابات المركزية، فهو من باب أداء الواجب، إذ ليس من صلاحيات هذه اللجنة، أن تتقصى نوايا رئيس السلطة لكي تكشف الخديعة من الجِد، وأن تتحقق من صدقية الأساليب لتعرف ما إذا كانت الدعوة للانتخابات، من نوع اللعب بالبيضة والحجر، للاستهلاك تضييعاً للوقت أم هي لزوم المناورات الحزبية والسلطوية أم طريقة لإغراق المركب لكي يفكح الرُبان.

في حال أن تجاوزت السلطة وحركة حماس، عن أسئلة الاستغراب والتشكيك في النوايا، وذهب الطرفان الى انتخابات عامة، رئاسية وتشريعية، عندئذٍ يتعين على الجمهور أن يصدّق أنهما استطاعا الإسهام في الاختراع الذي أشرنا اليه. ولكن ماذا عن اليوم التالي بعد ظهور النتائج؟ هل سيسلم الطرف الخاسر الصلاحيات التنفيذية للطرف الرابح، ويعطيه ما استنكف عن إعطائه له على مر السنوات والحوارات والاتفاقات التي تلد اتفاقات ولا تلد تطبيقات؟ وإن فاز حزب عباس مثلاً وأعطته الجماهير صوتها عرفاناً لمكرماته ومآثره وجمالياته، فهل ستعطيه سلطة حماس في غزة، سلاحها وفراشها من الباب الى المحراب؟ وإن فازت حماس فهل سيعطيها عباس أو يعطي مرشحيها ملفات الحكومة ودراهمها، وأسرار "المقاطعة" والتزماتها، أم إننا سنشهد توقيع الطبعة الجديدة من كتاب النزاع، مُنقّحا ومزيداً؟

كأنما كتب الله علينا أن يأخذنا سائقا الحافلتين، في كل مرحلة، الى الوجهة الخطأ، لكي يطول أمد شقائنا. فكل شيء في طبائع السائقيْن العنيديْن، يتحرك بالمقلوب: السياسة تتأسس على الأمن وليس الأمن الذي يتأسس على السياسة. القبضة الأمنية للقوى الربانية تقسو على المجتمع لحمايته وحماية المقاومة، فتنفتح الشروخ في رأس المجتمع ويرتاد الشباب البحر والصحراء، وينفذ العدو من الثغرات ويكتشف العسس المتحابرين معه بالجملة. ومن الأساس قبلئذٍ،  في أوسلو، كان التنفيذ بالجملة والاتفاق نفسه بالقطاعي. وفي المقاومة الإحتفال بتحرير القدس والمفاخرة بالزلالزل، قبل أن تتحرر القدس وتقع الزلازل. وفي السلطة يكون التنسيق أو التواطؤ الأمني مع الإحتلال، خدمة للسلام العادل ولحماية استقرار الشعب، قبل أن نرى سحنة السلام العادل وأن يتوقف الرعب الحاصل ضد الشعب على مدار الساعة. وفي غزة تُقطع رواتب فتح وتُخنق غزة لقطع دابر حماس وخنقها، فتحتضر فتح وتنتعش حماس وتحتضر غزة!

كل حركة، لأيٍ من السائقيْن تتجه عكساً، والأطرف أن كلاً منهما يتخيل نفسه نجماً مثيراً للإعجاب، وقطباً ينبغي أن تدور من حوله الأفلاك. اليوم نحن بصدد الحديث عن إقلاع عاجل الى انتخابات بالمقلوب. فلا  إحداثيات ولا خارطة طريق ولا معالم قانونية ودستورية على الطريق، ولا شيء سوى صيحات الديكة. ويعلم الله أن ما قاله المشعوذون القدامى عن طبائع الديكة صحيح بالمطلق، فقد أطلق هؤلاء على الديك، أسماء النباهة واعتبروه من قساة القلوب، واسموه أبا اليقظان، وزعموا أنه لا يحنو على أبنائه، بل ويتّصف بالبلاهة، نظراً لعدم قدرته على العودة إلى منزله إذا خرج منه، وقالوا إنه يمتلك قوة التحكم في الإيقاع اليومي للدجاجات، وأن له ساعة بيولوجية تجعله يبدأ بالصياح عند بزوغ الفجر!