ما تفعله أرجوحة قطع الرواتب


آخر تحديث: February 7, 2019, 12:14 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره النمساوي ألكسندر فان دير بيلين، في مقر الرئاسة الفلسطينية بمدينة رام الله مطلع هذا الأسبوع؛ قال عباس "إن الديمقراطية هي طريقنا لاستعادة الاستقرار ووحدة الأرض والشعب، والتخفيف من معاناة شعبنا في قطاع غزة ودعم ومساندة أهلنا في القدس". وفي هذا الحديث يضع رئيس السلطة الفلسطينية نفسه في موقع النضال العنيد والباسل النبيل، دفاعاً عن ديموقراطيته التي  لا ينبغي أن تشوبها شائبة، لأنها ــ حسب ما يقول ــ هي وسيلته الوحيدة لإستعادة الإستقرار ووحدة الأرض والشعب ولتخفيف معاناة الفلسطينيين. ذلك علماً بأن اللحظة التي تحدث فيها، شهدت جرعة جديدة من مجهوداته لزعزعة الإستقرار الاجتماعي الفلسطيني ولقطع علاقة سلطته بمسؤولياتها، ولتعميق معاناة الفلسطينيين بكل وقاحة وتجرد إنساني وأخلاقي، من خلال قطع رواتب أكثر من خمسة آلاف أسرة جديدة، جُلّها من أسر الشهداء والأسرى، بقرار لم تبت فيه أية هيئة سياسية أو قضائية، ويمثل خرقاً خطيراً لحقوق الإنسان الفلسطيني، لم تلجاً الى نوعه سلطة الإحتلال نفسها، التي ظلت تحفظ للعامل والمصاب العاجز والمتقاعد، حقوقه المالية التي يكفلها القانون. فالرجل يتصرف بلا كابح من ضمير أو قانون، ويتخذ قراراته من خلفيات نفسيته المسكونة بالبغضاء، ومن هواجس خصوماته العديدة التي لا مبرر لها، وقد طالت أسرَ وعوائل لا علاقة لها بأية اختلافات في وجهات النظر.

عندما نتقصى بأدوات التحليل السياسي، أسباب تجرؤ محمود عباس على الخرق تلو الآخر لحقوق الإنسان الفلسطيني، وهو الذي عُرف تاريخياً بجبنه وبراعته في تحاشي أي خطر أو تهديد أو مواجهة؛ نجد أنفسنا أمام بعض الحقائق المريرة، من بينها أن هناك قوى سياسية أو هياكل قوى، ظلت تتماشى معه، وترفض مجرد انتقاده، بما فيها جزء معتبر من قواعد حركة فتح نفسها، وبعض هذا الجزء كان معنياً بالدفاع عنه وتفخيمه بل وتفويضه وإعطائه إشارة خضراء لكي يستغلها ويمضي في إطاحة كل قيم العمل الوطني وضوابطه. ذلك فضلاً عن منظمات حقوق إنسان، لم تستطع إدراج قرارات تجويع الناس ضمن الخروقات السافلة لحقوق الإنسان الفلسطيني. وحيال هذه الخروقات، صمتت قوى إقليمية وازنة، تعرف أن التداعيات الإجتماعية والاقتصادية في فلسطين، تؤثر في أوضاعها الداخلية، تماماً كما تؤثر سلباً التداعيات الأمنية وأكثر، وتعرف أن ما يفعله عباس بمساعدة الزمرة الفاسدة التي معه، يجعل الأراضي الفلسطينية مناطق طاردة لسكانها، ويُضعف كل الأوراق السياسية للقضية، ويُحيل النظام الوطني الفلسطيني الى وضعية اللا تشكّل، ما يساعد على تغول الإحتلال واستمراره في العدوان بينما البناء السياسي والاجتماعي الفلسطيني ينهار.

كذلك فإن منظمات الشفافية في الإقليم والعالم، وما يوجد من أشباهها الصغرى ضمن المنظمات غير الحكومية في فلسطين، صمتت عن عملية اختلاس مالي متدرجة وممنهجه وشديدة الوقاحة، تُسرق فيها الحقوق المالية المقررة لألوف تلو الألوف من الفقراء الفلسطينيين .

سلبية هؤلاء جميعاً وغيرهم، هي التي شجعت عباس على ما يفعل، وجعلته  يتعمد تكريس منطق الخلاص الفردي في المجتمع الفلسطيني، لكي يصبح من يفلت بحقوقه المالية، غير معني بمن استلبت حقوقهم من زملائه وجيرانه. ومن المفارقات، أن شيخوخة عباس، كرجل طاعن في السن، آذت المجتمع الفلسطيني مرتين، الأولى بتأسيس منظومة الإيذاء وأرجوحة قطع الرواتب، والثانية عندما تفشى الإحساس بأن الرجل على وشك الرحيل ولن يعمرّ وقتاً أطول، وأن على ضخياه الإنتظار، فبعد غيابه سيكون لكل حادث حديث. ولا يعلم منتظرو رحيله، أن حركة الأرجوحة تؤسس في الوقت نفسه لعصبية جديدة، شديدة الخطورة،  يشتد عودها في حماية إسرائيل، ستظل تختطف الحكم وتعاند الإرادة الشعبية، وتمضغ الكلام الفارغ عن الأحقية والريادة ومنظمة التحرير ومقاومة ما يسمى بــ "صفقة القرن"، بينما هي تفعل كل شيء، لتمزيق النسيج الإجتماعي وتضييع عناصر القصية والتمهيد لصفقات أكثر وضاعة!