الإنقسام ورؤى فاسدة


آخر تحديث: February 3, 2019, 3:30 am


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

لم يجاف د. صائب عريقات الحقيقة، عندما قال إن قطاع غزة أصبح نقطة الارتكاز لإدارتي نتنياهو وترامب، لمحاولة فصله عن بقية الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي سيؤدي إلى القضاء على المشروع الوطني برُمَّته. ولو إنه زاد قائلاً إن قطاع غزة أصبح العقدة الأخيرة أمام الإدارتين الإسرائيلية والأمريكية للإجهاز على المشروع الوطني الفلسطيني، لكان التصريح أوفي تعبيراً عن الحقيقة وأدق وصفاً لخلفيات المشهد كله!
للأسف لم يسأل عريقات نفسه السؤال السهل الممتنع: لماذا أصبح قطاع غزة نقطة الإرتكاز للقضاء على المشروع الوطني، وبات العقدة المعطلة للإجهاز عليه؟ ولم يسأل نفسه أيضاً، ما هو وضع الضفة والإدارة العباسية على صعيد مؤامرة فصل غزة عن الضفة؟
نعرف أن عريقات يريد من حماس أن تسلم نفسها، أي أن تتطوع قوة لا شفاعة دستورية لها، بتسليم نفسها الى قوة خلعت دستوريتها عن نفسها طوعاً، وتدثرت بالتنسيق الأمني مع العدو. لكن الرجل لم يسأل نفسه ما هو المطلوب من حماس في قطاع غزة على صعيد كبح جماح المؤامرة التي يتحدث عنها، علماً بأن العائق الأساسي الذي أفشل المصالحة هو اشتراط عباس تسليم سلاح الدفاع عن النفس؟ فهل نفهم أن شرط وحدة الوطن عند عريقات، هو التخلي طوعاً عن القدر المتاح لأبنائه في الدفاع عن أنفسهم، وأن هذا الوطن سيكون بهذا التخلي موحداً منيعاً جباراً يُجهض محاولات الإمبريالية فصل غزة عن الضفة؟!
المؤسف أن كل مقاربات مجموعة عباس، كلما تناولت موضوع الانقسام، تتركز إما على التهديدات أو على تعليلات لاستمرار الإنقسام، سمجة ومجافية للمنطق، وتستتر وراءها نزعات مناطقية، مشهودة براهينها في السلوك اليومي، ونزعات تفرد يُنشي البغضاء والأحقاد. وهذا بالضبط، هو الذي يعطي الأوساط الحمساوية المأزومة هوامش للمناورة ويدفع أجهزتها الأمنية في غزة الى الاستمرار في غلاظة السلوك والضلال. فقد اصبح الأمر يشبه التقاسم الوظيفي بين الضدين على حساب حياة الناس ومستقبل أبنائها، لمنع وحدة الطيف السياسي الفلسطيني لمواجهة ما يحيط بالقضية الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني من المخاطر والتحديات المصيرية.
الموضوع لا يحتاج الى صيغ ولا الى براعة وذكاء زائدين. فما تتطلبة وحدة الكيان السياسي الفلسطيني، هو أن ينرل الطرفان عن الشجرة، وأن يتوافقا على حكومة انتقالية لها كل الصلاحيات في الضفة وغزة، وأن يُعاد العمل بالوثيقة الدستورية والقانون، والإعلان عن بطلان كل القرارات غير الدستورية، وفي حال عدم التوافق على تأطير دستوري لقوة الدفاع الفلسطينية، يُترك موضوع المقاومة وسلاحها لحين الإنتهاء من عملية الانتخابات الرئاسية والعامة.
بخلاف ذلك تظل كل الحجج والأعذار باطلة ومدانة. فليست قوة حماس الأمنية في غزة هي حارسة الوطنية والفضيلة، ولا منصة صائب عريقات هي صاحبة الحكمة والاستقامة ولن تكون حكومة فتح العباسية المعززة بكومبارس فصائلي إلا نوعاً من الضحك على الذقون والمراوحة في المربع نفسه، بل في مربع أضيق من ذي قبل . أما أسماء المرشحين لرئاستها فهي أشبه باسماء لاعبين في مسرح الكوميديا السوداء!
كفى استهتاراً بعقول الناس. الأجدر هو الاجتهاد الذهني للإجابة بصراحة وشجاعة، وبشكل إجمالي وشامل، عن السؤال: لماذا أصبحت غزة نقطة الإرتكاز بالنسبة لإدارتي ترامب ونتنتياهو لتمرير مشروع فصل غزة عن الضفة؟
إن حال البؤس الذي أصبحت عليه "المقاطعة" هو محصلة فشلها في السياسيات الداخلية. فهي مركز الحكم الفلسطيني الشرعي الذي تعترف به الأمم، لكنها تصرفت بصبيانية وبكيديات وأحقاد ورؤى ومقاييس فاسدة، وتجاوزت في أوهامها وغرورها، الأوهام الحزبية الحمساوية، ولأنها الطرف المسؤول الذي فيه ولي الأمر المفترض، فإنه الطرف المسؤول عن الفشل في جمع الفلسطينيين. بل هو المسؤول عن كل الشروخ والتصدعات في الحركة الوطنية الفلسطينية!