التحذير في بيان الأوروبيين


آخر تحديث: January 23, 2019, 2:17 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

 عندما يُعرب ممثلو الإتحاد الأوروبي في بلادنا،  عن قلقهم من حل الإطار الوحيد المنتخب في فلسطين، ويطالبون بتصحيح المسار من خلال انتخابات عامة حرة ونزيهة؛ تكون حسابات رئيس السلطة الفلسطينية قد أخطأت، ويكون هو المسؤول الحصري عن نزع الصدقية الدولية عن الكيان السياسي الفلسطيني، وعن كل ما ينجم عن هذا النزع، من مخاطر سياسية على وضع فلسطين وموقفها  في المنظمات الدولية التي انضمت اليها أو تحاول الإنضمام!

فالأروبيون تطيروا من حل التشريعي، وهم بالتأكيد يفقهون في نظرية الدولة والقانون الدستوري أكثر من حاشية عباس, وبيانهم التي نشر ممهوراً بتوقيع رؤساء البعثات، جاء كمداخلة تحذيرية، فحواها أن القرار الفردي بحل التشريعي، استناداً الى ما يسمى محكمة دستورية قائمة في غياب الحياة الدستورية؛ من سأنه أن يختتم كل الخطوات التي خطاها عباس الى الوراء،  فيصبح النظام السياسي الفلسطيني في حال اللا تشكُل.

لقد ظل عباس يظن، أن مجرد كون الخصم السياسي هو حماس المصنفة عند الأمريكيين منظمة إرهابية، سيصبح حل المجلس التشريعي سهلاً أو خطوة تستحق الثناء. وهنا أخطأت حساباته. وقد استفاد رئيس السلطة، لسنوات من عجز حماس عن الإسهام مع سائر المعارضين، في تظهير وفضح ضلال سياساته الداخلية من خلال في حشد الجماهير المتأذية من هذه السياسات، لصالح الحريات السياسية والعدالة والتزام القانون والعودة الى المسار الديموقراطي. لكن الأطراف التي تراقب من الخارج، لا سيما الدول المانحة التي استثمرت مالاً لتحقيق حل الدولتين، ستكون معنية بالاعتراض على تفكيك المؤسسات الدستورية للدولة الفلسطينية المبتغاة.  وكان سبب فشل حماس، أن سياساتها الداخلية في غزة، لم تكن أقل من إحباطاً من سياسات عباس للجماهير، أو أقل تسبباً في إزكاء إحساس الشعب الفلسطيني بالمرارة، على أصعدة تغييب المؤسسات وقمع الحريات والتفرد والفساد وإطلاق القبضة الأمنية.

بيان ممثلي الإتحاد الأوروبي، يغلب عليه التذكير بوجوب الذهاب الى انتخابات عامة، رئاسية وتشريعية. والجماعة يقولون بصراحة، إن المطلوب هو  مؤسسات قوية وديموقراطية وشاملة وخاضعة للمسائلة، وتقوم على أساس احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان. والأوربيون، في هذا السياق، يدعون عباس بمفردات جليلة، الى عقد انتخابات حقيقية وديمقراطية لكافة الفلسطينيين. فهم يعتبرون هذا هو الأمر الحيوي، والمستلزم الأساس للإنطلاق الى إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة وذات سيادة.

معنى هذه المطالبة الأوروبية، التي يحاول الموالون لعباس التجاوز عنها أو إنكار وجاهتها، أن المؤسسات مدمرة، والديموقراطية غائبة، وإطاحة القانون حاضرة، والتمكين لإرادة الشعب مطلوبة، وأن الأطر التي يناور بها عباس ناقصة وضعيفة وغير شاملة، لأنها غير مفوضة شعبياً، وبالتالي لا قيمة لامتشاق عناوين منظمة التحرير الفلسطينية طالما أنها غير منتخبة، وأن الانتخابات التي يمكن الرهان عليها، هي التي تشمل كافة الفلسطينيين!

بل إن الأوروبيين يطالبون بالمصالحة الفلسطينية، وهذا أمر ذو مغزى لعباس ولحماس. أي إنهم لا يطالبون بتقويض حماس أو شطبها، مثلما نسمع من خلال تفوهات معاوني عباس، وإنما يطالبون بمشاركتها، وحماس بدورها تعرف ما الذي يقصده الأوروبيون والروس وغيرهم، عندما يضعون مقارباتهم لتأهيل حماس سياسياً!

عباس دعا لفظياً الى انتخابات، وسيمارس عملياً كل الأفعال التي تجعلها صعبة ومستحيلة. لكنه سيفشل ويتسبب في تعميق أزمته وأزمة النظام السياسي الفلسطيني، إن حاول تمرير الصيغة التي ألمح اليها، وهي أن  يتولى إطار غير دستوري وغير مفوض شعبياً كــ "المجلس المركزي للمنظمة" مسؤوليات  إطار دستوري ومفوض من الشعب حتى وإن انتهت ولايته. ولدينا مثال مجلس النواب اللبناني، الذي ظل لسنوات طويلة لا يجتمع، ثم التأم في مدينة الطائف السعودية، في العام 1989 لإقرار اتفاق من بين بنوده استئناف الحياة الدستورية.

ليس من حق عباس حتى أن يتوهم، بأنه يستطيع طرح البديل الدستوري بغير الوثيقة الدستورية والقانون، والانتخابات الحرة النزيهة التي لا إقصاء فيها. فإن حاول، سيكون كل ما يفعله هو تعلية ركام الدمار الذي سيخلفه بعد رحيله، هذا هو مضمون التحذير في بيان الأوروبيين!