كوخافي وخيار الحرب


آخر تحديث: January 22, 2019, 3:27 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

لأن الحرب الأساسية، هي التي يشنها المحتلون علينا نحن الفلسطينيين، وليست أي حرب سواها إلا عملية إطلاق رقمي للقذائف من بعيد؛ فقد وقع الإختيار على أفيف كوخافي، ليكون رئيس الأركان الجديد. فكوخافي هذا، ذو سيرة يستفظعها الجنرالات المهنيون البارعون في استراتيجيات الحرب بالجيوش النظامية، ولو قام الجنرالات الراحلون المميزون في التاريخ، من قبورهم، مثل مونتغمري البريطاني، وماك أرثر الأمريكي، وجوكوف الروسي وجياب الفيتنامي وغيرهم، لرفضوا أن يكون كوخافي الإرهابي من زمرة الجنرالات، لأن جوهر تجربته ومواهبه، هي التنطط من فوق جدران منازل مخيم بلاطة الفلسطيني، لكي يطلق النار على أي ظل يتحرك، سواء كان ظل عجوز أو قطة أو رجل طاعن في السن.

في فترة الإنقضاض على الإنتفاضة الطويلة الثانية، وما سُمي "عملية السور الواقي" التي شنها العدو من  مارس الى يوليو 2002 سجل كوخافي، بمقاييس دولة الإرهاب، مأثرته العسكرية كقائد لوحدة مظليين، ارتكبت الفظائع. ولم يعرف التاريخ العسكري، مآثر يكون قوامها القفز من فوق جدران البيوت، وتجريف الأزقة لفتح الطريق للدبابات، لكي المشاة قتل الأبرياء. إن مثل هذا التكتيك هو الذي جلب العار لفرنسا عندما ارتكبت الفظائع في الجزائر قبل أن تندحر منها مفضوحة وأن ينتصر الأشقاء الجزائريون. كان الفرنسيون عندما يهاجمون الأحياء السكنية، يتقدمون عبر الجدران ويوسعون الأزقة بالآليات، لممارسة القتل المنهجي، ويسمون هذا التكتيك "الجغرافية الخلفية". وفي الضفة الفلسطينية أثناء اجتياحها، استخدم العدو هذا التكتيك في جنين وبلاطة، ومارس القتل العشوائي والممنهج. واخترع كوخافي أسلوب الهدم المكثف للبيوت وقتل كل من تصادفه القوة من الناس الأبرياء العابرين، وكل ذلك لتحقيق هدف القتل مقاوم واحد!

 لم يتردد أحد الضباط الذين عملوا تحت إمرته، في القول إنه صاحب النظرية التي تبيح مثل هذا القتل المنهجي، المترافق مع هدم البيوت على رؤوس أصحابها. فهذا التكتيك تعلمه كوخافي والكثيرون من زملائه، في "معهد دراسة نظرية الحرب" في تل أبيب، وهو مدرسة حربية صهيونية، اعتمدت تطويراً للأسلوب النازي لحرب التدمير بالنيران الإغراقية!

واللافت أن محاولة المحتلين والأوساط الأصولية العنصرية، في حيش الإحتلال، طرح تأصيل نظري لتكتيك كوخافي، قالت إنه بمثابة اكتشاف طريقة جديدة للتمرد على المسلمات، أي على قوانين الحرب، التي تمنع المساس بالمدنيين. وبحكم أن جنرالات الإحتلال وساسته، يحرصون دائماً على افتعال نقاش أو سجال داخلي بينهم، فقد تعرض كوخافي الى انتقاد بعض زملائه، وجرى نقاش بين طرف كوخافي الذي يرى أن المدنيين الفلسطينيين يقفون حجر عثرة أمام إسرائيل التي تسعى إلى ضم مناطقهم، ما يعني ضمنياً وجوب جرفهم وتصفيتهم؛ وطرف آخر يقول أن هذا التكتيك يحبط طموحات إسرائيل في ضم المناطق وإشراك سكانها في عملية بناء نظام سياسي جديد.

لكن المغزى من اصطفاء كوخافي دون سواه، لكي يصبح رئيساً للأركان، هو أن شعب فلسطين وأراضي الضفة وغزة، هي الهدف الحصري لآلة الحرب الغاشمة. فالحرب ذات السمات الاستراتيجية المعقدة والواسعة، ليست هي المطلوبة في هذه المرحلة. فتلك حرب لها أسرارها وقواعد اشتباكها وأسباب إشعالها أو إخمادها، ولا يقتصر أمرها على طرفين اثنين، وإنما تتداخل فيها أطرف أخرى تتكتم على التفصيلات، كما في سوريا أو مع سوريا الآن. فالمطلوب بالنسبة للمحتلين، هو مواجهة الشعب الفلسطيني في أرضه واستهدافه في مهاجع نومه وفي مقاومته غير المرئية في الضفة، والمتواجدة على الحدود في غزة، والمقاصد النهائية هي فرض الأمر الواقع الإستيطاني في الضفة، وكسر شوكة غزة وتخييرها بين جحيم الحرب وإمكانية عيش أفضل نسبياً. في الخيار الأول، يصلح كوخافي، أما في الخيار الثاني، فإن وسطاء كثر، سوف يتطوعون!