مراجعات الحداثيين العرب... من طه حسين إلى زكي نجيب محمود


آخر تحديث: January 20, 2019, 9:28 am


أحوال البلاد

 

ثمة ظاهرة كبرى في الثقافة العربية يمكن للناظر أن يلاحظها بالعين المجردة، ناهيك عن الباحث المتأمل، وهي (المراجعات) التي أجراها الرواد الكبار والمفكرون النهضويون، خصوصاً في الجيل الثاني منهم، والتي أفضت إلى تراجع بعضهم عن الأطروحات الداعية إلى التجديد الجذري، والتصالح من ثم مع ما هو مألوف وسائد من أفكار وأطروحات، وخصوصاً في مراحل متقدّمة من العمر على منوال ما جرى مثلاً من قبل طه حسين ومنصور فهمي ومحمد حسين هيكل وخالد محمد خالد وزكي نجيب محمود وغيرهم. غير أن عمق هذه التراجعات، أي درجة حدتها، وأشكال الإفصاح عنها، إنما يختلف كثيراً بين كل مفكّر وآخر، على نحو يرتبط ارتباطاً كبيراً بالدوافع التي قادت إليها، والتي تشي بمغزاها، وهل هي مجرد (مراجعات) منطقية ومن ثم مبررة بحكم العمر والتجربة الإنسانية، أم أنها (انقلابات) على الذات، تتسم بالنفعية والراديكالية، وهنا يمكننا التوقف عند أربعة دوافع رئيسية لتلك الظاهرة:

الدافع الأول معرفي ويتعلق إجمالاً بالخبرات الفكرية التي تتراكم لدى المبدع، وتدفع به عبر مراحل عمره الممتد، وبتأثير خبرات تراكمية كبيرة، إلى تعديل تدريجي بطيء وعميق في رؤاه ومواقفه إزاء القضايا الكبرى نحو الاعتدال والتوازن ما يعد دليلاً على نضجه النفسي والفكري. هنا تكون المراجعات الفكرية عميقة ومسؤولة، تجري بمهل وعلى نحو تراكمي في حياة الرائد الفكري، ربما دارت بينه وبين ذاته أولاً ثم بينه وبين محيطه الثقافي ثانياً، وهي في كل الأحوال طبيعية إن لم تكن مطلوبة فليس متصوراً أن يولد المفكر مكتملاً، أو يبقى قائماً على أفكاره الأولى بشكل مطلق عصياً على التطور. فإذا ما قبلنا هذا المبدأ يمكننا تصور أن يصبح المبدع أقل اندفاعاً بعد أن كان أكثر جموحاً، فيتبنى المواقف الأكثر تركيباً ونسبية مبتعداً بدرجة أو بأخرى عن نقيضها الأكثر راديكالية وبساطة وإطلاقية، فالأخيرة غالباً ما تجد صداها لدى الأجيال الشابة بعكس الأولى التي تنعكس في الأجيال الأكبر، وهذه سنة كونية تتعلق بمدى القدرة على فهم الحقيقة باعتبارها إنسانية وتاريخية، وهو فهم غالباً ما يمتلكه الإنسان بتوالي العمر وتعدد التجارب وتنوع الخبرات.

ومن ثم تكون هذه المراجعات معلماً على موضوعية ونزاهة المفكر الذي لا يمكننا أن نطالبه بكتمان ما يمور بداخله من تحولات أو إدارة ظهره لما يتراكم في وعيه من اكتشافات، وإن كان ثمة شرطين أساسيين ليبقى هذا التحول مقبولاً وصحياً: أولهما ألا يكون جذرياً فمن غير المتصور أن يتحول المفكر 180 درجة ضد أفكاره السابقة. وثانيهما: أن يتم هذا التحوّل في مدى زمني طويل وليس بين عشية وضحاها على منوال كثيرين أظهروا ميولاً رجعية قياساً إلى مواقفهم التقدمية الأولى، فتحركوا مثلاً من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ومن الإيديولوجية القومية إلى الإسلام السياسي بشتى فصائله، ومن التماهي مع الغرب والدراسة فيه أحياناً كثيرة إلى كراهيته والدعوة إلى مقاطعته أحياناً أخرى، فبقدر ما نلوم أولئك الذين يتحولون إلى أقانيم تدعي الكلية والثبات والاكتمال من البداية، يجوز بالقدر نفسه أن نلوم المنقلبين على أنفسهم، لأسباب سطحية غالباً ونفعية أحياناً.

 

 


والدافع الثاني وجودي، وأعني به محاولة المبدع التوافق مع المكونات الأساسية لهويته كلما طال به العمر وشارف على الرحيل، بتأثير مخاوف الفناء وهواجس العدم، التي ترتبط بطبيعة الرؤية الإيمانية للتاريخ، خصوصاً بين أديان التوحيد التي يقع الإسلام في القلب منها، وجميعها تربط نهاية التاريخ بحدوث القيامة كنهاية لعالم الشهادة، وبداية عالم الغيب الذي يتم فيه الحساب ثواباً وعقاباً، حيث النعيم الدائم لبعض البشر، والعذاب المقيم للبعض الآخر. ففي هذا السياق نلمس الاقتراب التقليدي من الدين لدى عديد من المفكرين العرب في مرحلة العمر المتأخر، التي يبدو فيها الناس أكثر حرصاً على التأسيس لما بعد الحياة أكثر من الحياة نفسها، وإن كانوا لا يقولون ذلك صراحة، بل يمارسونه من خلال آلية ذهنية دفاعية وهروبية (نفسية) معروفة وهي إعادة قراءة الماضي على ضوء المستقبل، ومن ثم القيام بتقديم تأويلات جديدة لأحداث التاريخ نفسه الذي عاشوه وأنتجوا فيه أفكارهم الأولى.

والدافع الثالث سياسي يتعلق بموجات التحول العالمي، فالذي لا شك فيه أن نهاية الحرب العالمية الثانية وبروز الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى من داخل فضاء الحداثة الفكرية ولكن من خارج إطار الليبرالية الغربية قد ألهم عديدين من مثقفي العالم وأجياله الشابة لسبعة عقود، بلغت ذروتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية حينما دخلوا فى حالة ثورية جعلتهم يتصورون إمكانية نشوء عالم حديث خارج إطار المركزية الغربية، فانطلقت في كل أنحاء العالم موجة إعجاب باللينينية والماركسية والاشتراكية الإنسانية، حيث كان النموذج من بعيد ومن خارج، يبدو جذاباً وجاذباً. وعندما انهار الاتحاد السوفيتي كان ذلك إيذاناً بهزيمة التجربة في العالم أو بالأحرى هزيمة النموذج (إنسانياً) ولم يكن غريباً أن تحدث مراجعات كبرى لدى مثقفي العالم، وأن تشهد الثقافة العربية نكوص العديدين من المثقفين اليساريين عن الاشتراكية في اتجاهات عدة أبرزها الإسلام السياسي الذي وجدوا فيه طوق نجاة يمدّهم بـ (العقيدة الفكرية) التي يقتاتون عليها وإن اختلف محتواها، فالبنية العقلية الشمولية واحدة (جوهرياً) وإن اختلفت أشكالها (ظاهرياً)، من دون أن ننكر هنا قدرة بعض المفكرين على التخلص من النسق الاعتقادي هذا والاندماج في التيار الليبرالي الذي وجدوا فيه قدرة أكبر على النجاح وإن كان بعضهم قد وقع في غمرة حماسته وحرارة تحوله، في خطأ القبول بالاحتلال الأميركي للعراق ومحاولة تسويغ ضمن ما أسمي بـ "ديموقراطية الدبابة".

أما الدافع الرابع فنفعي/ أناني/ سوقي يتعلق بالانقلاب على الذات سعيا إلى مآرب مباشرة، فثمة كثيرون تحولوا جذرياً عن مواقف فكرية قديمة بفعل ارتباطات جديدة بسلطات كانوا قد نشأوا وتكوّنوا في ضديتها أو على الأقل في موقع محايد منها، وذلك بعد فشل القوى التي طالما دافعوا عنها أو ذبول التجارب التي تحمسوا لها، ومن ثم بدأوا في التكيُّف مع الواقع واللعب على المضمون بغرض انتهاز الفرصة لتحقيق مصالح مادية أو أدبية بعد أن فات قطار العمر ولم تتحقق الرؤى المثالية أو الأحلام السياسية، فإذا بهم يعيدون تشكيل مواقفهم الفردية التي تعرضوا للإيذاء أو الإهمال بسببها. وربما كان هذا هو حال أولئك الذين تشكل الإيديولوجية المكون الأساسي في تكوينهم الفكري قياساً إلى المكون المعرفي، فالمثقف المؤسس على معرفة رصينة لا يصيبه ذلك التحول الجذري قط أو على الأقل بالدرجة نفسها التي يصيب بها المثقف الإيديولوجي.

وأخيراً يمكن القول بأن النظرة المتفحصة للمشهد الفكري العربي إنما تكشف عن عديد التحولات والدوافع المتشابكة، التي لا يجب وضعها جميعاً في سلة واحدة، فمنها ما يمكن وصفه بالمراجعات النقدية لدى الرواد الكبار، وهى مراجعات لا تنال من قدر أصحابها، وهناك ما يمكن وصفه بالتحولات الكبرى وهى موضع شك لدينا سواء في قدرات المفكر المعرفية أو دوافعه الشخصية، ومنها أخيراً ما يمكن وصفه بالانقلابات الكلية، التي تثير الشك في الجانبين معاً، إذ تعبر عن طفولية عقلية، وانحياز أناني، وربما سوقية سياسية.

صلاح سالم