العمارة والفنون في المنظور الصوفي


آخر تحديث: January 20, 2019, 9:27 am


أحوال البلاد

 

إذا كان التصوف، في جوهره، عبارة عن : الخلق والصفاء- كما أجمع على ذلك شيوخه الكبار-؛ فإن هذا المسلك إنما يتجلى- أوضح ما يتجلى- في تأكيد المتصوفة أنفسهم على حبهم وتوقيرهم لجموع الخلق أولاً؛ وهو ما يعكسه قول الشيخ الأكبر : «لن تبلغ من الدين شيئاً حتى توقّر جميع الخلائق، ولا تحتقر مخلوقاً ما دام الله قد صنعه». وفي نظرتهم إلى جمالية الوجود والشهود عبر الانتقال من «فواتح الإلهي» إلى «فواتح الإنساني» ثانياً.


لكن على الرغم من الدراسات العديدة التي أنجزت في الحقل الصوفي، إبان العقود الثلاثة الأخيرة بصفة خاصة؛ فإن موضوع الفنون والعمارة في المنظور الصوفي يكاد يبدو غائباً عنها تماماً. والحال أن قيم التصوف العملية لا تقتصر على بناء الإنسان الصوفي داخلياً/ وجدانياً فحسب؛ وإنما تتجاوز ذلك إلى ما هو أهم وأعم وأشمل؛ سعياً منها إلى تأسيس رؤية فنية جمالية في المجتمعات الإسلامية برمّتها؛ بعيداً عن غلبة وسيادة الأحكام العنصرية المتأسسة على معايير: العرق، أو الدين، أو اللون، أو الجنس، أو غير ذلك.

ومن ثم؛ فإن «فلسفة الجمال» في الفهم الصوفي ليست مجرد فلسفة نظرية فحسب؛ بل هي كذلك فلسفة عملية تتجلى بوضوح في مدونة السلوك الصوفي: قولاً وفعلاً، نظراً وعملاً، قصداً وغاية. فالتصوف الإسلامي في الأساس هو عبارة عن سلوك سلمي تصالحي، مع الذات أولاً، ومع الآخر المغاير على المستوى الفردي ثانياً، ومع المجتمع ككل ثالثاً. كما أنه مسلك تصالحي أيضاً مع روح وفنون العصر الذي يعيش فيه المتصوفة.

 


أضف إلى ذلك، أن «فلسفة الجمال»- بالمعنى الصوفي- إنما تتأسس على أساس أن السلوك السلمي التصالحي لعضو الجماعة الصوفية/ المريد؛ إنما هو نتيجة جهد تربوي منهجي ذي مبادئ ومفاهيم تتغيا قيماً وأهدافاً وغايات أخلاقية/ تزكوية : هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.

والواقع أن الإبانة عن مركزية الفنون في النسق الصوفي، من خلال إبراز العناصر المؤسسة لفلسفة الجمال عند الصوفية الذين تشبعوا برؤى فنية وجمالية ذات طابع خاص، تساهم في إمكانية استثمار ذلك التراث الفني في محاربة نزعات العنف والتطرف والإرهاب التي تدور رحاها اليوم في عالمنا المعاصر باسم الإسلام. خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار حقيقة أن اللوحة التعبيرية التي خلفها المتصوفة تاريخياً- على هيئة أضرحة ومزارات صوفية- تتوزع على الجسد الجغرافي للعالم الإسلامي برمته؛ من دلهي الهندية شرقاً إلى طنجة المغربية غرباً.

ضمن هذا السياق، يشدد أرماندو سالفاتوري على الدور الذي قامت به الأضرحة والمقامات الصوفية تاريخياً وسياسياً واجتماعياً، حيث «شكّلت التمركزات المحورية لشبكات مترامية الأطراف، وذلك بما شملته على نحو متزامن من قنوات اتصال ومواقع استقرار يحتاج إليها الرحّل المسافرون، ومن ثم استطاعوا المساعدة في تحقيق التوازن لصفة التقلقل التي ألمت بالحكم السلطاني في بيئة سياسية شديدة الانقسام في الفترات الوسطى. وأدى القادة الصوفيون معظم الوقت دور الموفقين والحكام في النزاعات المدنية، فيما وفرت أضرحة الأولياء الوجهة الرمزية والثبات المقدس لحياة المسلمين المعرضة للاستضعاف في الريف والاستهواء في الحياة المدنية».

وبشكل عام يمكن القول: إن أساس الفن الإسلامي روحاني، وإن مرتكز تعبيره جوهراني؛ فكلمة القرآن الكريم تكفي لذاتها وبذاتها، بمعانيها الروحانية، وليست بحاجة إلى صورة عند الفنان المسلم. لذلك؛ فإن الأمور كلها تبدأ بالله وتنتهي فيه، ككيان أزلي، سابق ولاحق، أوحد ومطلق. فالكل ينطلق من تسليم أساسي، ثابت ونهائي، بأن اللـه نور السماوات والأرض. كما ينطلق من لازمة لهذا التسليم، تقول: يهدي اللـه لنوره من يشاء. ممن يمتلئ فضاء إيمانهم بصورة النور الإلهي.

وتبعاً لذلك؛ عمل المتصوفة على استخراج جملة من المعاني المفعمة بروح الجمال من الآيات القرآنية؛ خاصة ما يتعلق بآية النور: اللـه نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درّي يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور علىٰ نور يهدي اللـه لنوره من يشاء ويضرب اللـه الأمثال للناس واللـه بكل شيء عليم. ففي كل كتاب من أدب التصوف، يأخذ تفسيرها مكاناً خاصاً لكلمات من مثل: النور، المشكاة، الزيتونة، ...؛ إشارة إلى التجلي الإلهي بكل ما يحمله من جمال وجلال.

ومن هنا يمكننا ربط فلسفة الجمال الصوفية بمحاولات نبذ العنف ومحاربة التطرف والإرهاب، وسعي المتصوفة على مدار تاريخهم الطويل إلى إحلال قيم الجمال والرحمة والسلام في المجتمعات الإسلامية. فعلى مستوى الخطاب؛ تؤسس اللغة الصوفية لفلسفة الجمال عبر تركيزها على القاسم، أو البعد، أو الجانب الجمالي في التجربة الدينية عامة؛ والصوفية بخاصة. فالصوفيون يرون أن الإنسان يكتشف- إذا ما غمره الحب الإلهي وحرره من علائق نفسه- قيماً جديدة لهذا العالم، وجمالية جديدة لما في الوجود؛ حيث الدنيا خزانة الله، فما الذي يبغض منها وكل شيء من حجر أو مدر أو شجر، يسبح لله فيها؟! فالتصوف بوصفه «شهوداً»، و»ذوقاً»، و»عرفاناً»: يؤسس لضرب من «الجمالية الروحية» التي تتعالى، أو تتسامى- في طبيعتها، ونهجها، وسمتها- على كل ضروب التقسيم، والتشتت، والتشرذم التي تطال بنية الوجود، والنظر، والإنسان. والتصوف بوصفه «حباً» : يركّز على قيمة «العاطفة الدينية» ومركزيتها في حياة الإنسان؛ عوضاً عن الاشتغال بدواعي الحقد، وأسباب الكراهية المؤذنة بـ «خراب العمران»؛ بحسب تعبير ابن خلدون. والتصوف في جوهره وغائيته : معني أصلاً بالبناء، لا بالهدم، وبالتحرُّر من الطاقات السلبية، لا بتغذيتها وتعزيزها، وبتعزيز الكرامة الإنسانية لا بانتهاك حقوقها.

من جهة أخرى أدركت الأوساط المتصوفة، منذ وقت مبكر، أهمية الذكر والسماع، حيث كانت هناك مجالس للذكر في عصر بني أمية؛ من أشهرها مجالس الحسن البصري (ت 110هـ)، الذي كان يشبه الذكر بالنور- ودوره [الذكر] في «تهيئة القلوب وصونها عن طوارق الغفلة (...) وفضلوه على الصلاة؛ لأنها عبادة موقوتة بينما الذكر في القلب مستدام في عموم الأحوال. ونظراً إلى تلك الوظيفة التي اضطلع بها الذكر في الحياة الصوفية المبكرة، أصبح يعتبر فيما تلا من عصور ركناً قاراً من أركان العبادة الصوفية، وطقساً من طقوسها الثابتة. يقول القشيري في الذكر معتبراً إياه ركناً من أركان الدين: إنه ركن قوي في طريق الحق سبحانه وتعالى؛ بل هو العمدة في هذا الطريق، ولا يصل أحد إلى الله تعالى إلا بدوام الذكر».

كما عبر المتصوفة عن حبهم وتقديرهم للجمال بشتى الصور الممكنة؛ نثراً وشعراً، فصوصاً وحكماً، موسيقى وغناء؛ وفي المواقف العملية أيضاً. ويكفي أن نشير إلى أن ألوان الكتابة الصوفية تتضمن كلاً من: الأقوال، والحكم، والوصايا، والشطحات، والأدعية، والأوراد، والابتهالات، والمناجاة، والأذكار، والمواقف، والرسائل، والمكاتبات، والقصص الرمزي، والسير الذاتية، والشعر والنثر بتلويناتهما المتعددة، ومشاربهما المختلفة. ومن قبيل الأقوال ما يقوله ذو النون المصري (ت 245هـ)، أول من تكلم في الأحوال والمقامات الصوفية، شارحاً تحوّل الجمال في الفهم الصوفي إلى مبدأ حياة: «من يألف الله يألف كل ما هو جميل؛ وجهاً وصوتاً وريحاً. وللمتصوفة في الدنيا أسرار لا تكشف إلا للمودين».

محمد حلمي عبد الوهاب