الوجه الشرقي لكريستوفر كولومبوس


آخر تحديث: January 20, 2019, 9:26 am


أحوال البلاد

 

لم يسلّم الغرب الكاثوليكي بالهزيمة السياسية والعسكرية التي لحقت به بعد نجاح المماليك في طرد بقايا الصليبيين من بلاد الشام 1291م ، فتعددت المشاريع الصليبية الرامية إلى حصار دولة سلاطين المماليك في مصر وإسقاطها من أجل إعادة إحياء فكرة الاستيلاء على مدينة بيت المقدس من جديد.


وبشكل عام ظلت فكرة الاستيلاء على القدس/ مدينة الرب مسيطرة على أذهان رجال الكنيسة والغرب الكاثوليكي حتى القرن الخامس عشر الميلادي الذي شهد بزوغ ثلاث أحداث تاريخية كبرى أثرت على تاريخ العالم القديم في نهايات العصور الوسطى الأوروبية.

الأول كان نجاح العثمانيين المسلمين في القضاء على الإمبراطورية الرومانية الشرقية بعد فتح القسطنطينية 1453م . وهو الأمر الذي أحدث زلزالاً كبيراً في أوساط الكنيسة والملوك الأوربيين. ففي الوقت الذي بدا فيه أن المسيحيين الإسبان قد قاربوا على استعادة باقي أراضي الأندلس في الغرب من قبضة المسلمين، فإن رياح المد العثماني الإسلامي قد عصفت بالشرق الأوروبي.

 


وكان الحدث الثاني هو نجاح فرديناند ملك أراجون وإيزابيلا ملكة قشتالة في ضرب المعول الأخير في الوجود الإسلامي بالأندلس عبر الاستيلاء على مملكة غرناطة 1492م ، التي ألقى أهلها السلاح بعد أن أصبحت مدينتهم وحيدة وسط أمواج المد المسيحي الكاثوليكي. وبعد أن طال انتظارهم لنجدة– لم تصل أبداً– من العثمانيين والمماليك .

أما الحدث الثالث فكان نجاح الملاح والمغامر الجنوي كريستوفر كولومبس- بدعم من فرديناند وإيزابيلا- في اكتشاف العالم الجديد في نفس العام 1492م . وقد ساهم ذلك بقوة في زيادة إيرادات الخزينة الإسبانية، وفي إحداث ثورة في الطرق الملاحية التجارية. فضلاً عن كون ذلك تكريساً لمرحلة استعمارية قامت بها أوروبا الكاثوليكية خاصة منذ اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح 1488م الذي هدف إلى القضاء على الأهمية الاقتصادية لسلاطين المماليك في مصر والشام.

هكذا كانت الأجواء في أوروبا نهاية القرن الخامس عشر الميلادي تطفح بالعداوة تجاه المسلمين سواء في شرق أوروبا حيث الفتوحات والخطر العثماني، أو في إسبانيا خاصة بعد الزخم الذي رافق انتصار الكاثوليكية وطرد المسلمين. وكذلك في مصر بعد الرغبة المتكررة لإسقاط الدولة المملوكية التي سبق أن طردت الصليبيين من بلاد الشام.

كان كريستوفر كولومبوس إبناً باراً لهذا العصر وتلك الأجواء خاصة بعد نجاحاته البحرية في العالم الجديد. تلك النجاحات التي ضمنت مكاسب اقتصادية ومالية ضخمة للبلاط الإسباني، مع تأكيده على شروط تنص على حصوله على نسبة من تلك الأرباح.

وحظي كولومبوس بمكانة متميزة خلال السنوات 1493-1502م لدى الملكين فرديناند وإيزابيلا، فضلاً عن تأييد كبير من الكنيسة الكاثوليكية، ليتجلى بعدها مشروعه الديني عندما دبج خطاباً تحريضياً يطالب فيه الملكين الإسبانيين بضرورة شن حملة صليبية على دولة المماليك من أجل إعادة الاستيلاء على مدينة القدس.

وتجلت الروح الدينية المتعصبة لكريستوفر كولومبوس تجاه المسلمين في المشرق العربي في هذا الخطاب، فضلاً عن قيامه باعتساف نبوءات وردت في التراث الكلاسيكي المسيحي مع تفسيرها بما يتفق مع أطماعه الشيطانية في بلاد المسلمين وثرواتها. حيث يخاطب فيه فرديناند وإيزابيلا بفهمه وإدراكه لمسألة استرداد الضريح المقدس من أيدي المسلمين. بعدما استعرض فيه خبراته البحرية، ومهارته في فن التنجيم والهندسة والحساب، والمسائل الروحية مع براعة فائقة في رسم الخرائط العالمية. وكذا دراسته لكافة المخطوطات المتعلقة بالوصف العام للكون وبالتاريخ والمزمنات والحوليات والفلسفة والآداب والفنون.

وقام كريستوفر بتذكير الملكين الإسبانيين بالمعارضة التي أبداها البلاط الملكي طوال سبع سنوات لمشروعه الذي هدف إلى الإبحار نحو الهند الغربية (أميركا). كما أشار لهما بأن نجاح مشروعه إنما كان في حقيقة الأمر امتثالاً لتفسير سبق أن قاله يسوع المخلص وتلامذته حيث كتب "... ولهذا فيجب علينا أن نؤمن بأن أمر القيام بحملة صليبية لاسترداد مدينة القدس لهو أمر سوف يتحقق بالفعل. وإنني أسأل العون من الإنجيل المقدس الذي يذكر أن كل شيء قال به الرب سوف يتم. لذا سوف أتحدث عن فهمي لمسألة استعادة الضريح المقدس بمدينة القدس إلى أحضان الكنيسة الكاثوليكية".

واستمر كولومبوس المسيحي المتعصب في اللجوء إلى تفسيرات ونبوءات يعود بعضها إلى الحواريين والقديسين مثل الاستشهاد بما ورد لدى القديس متى "أيها الرب ، لقد أخفيت بعض الأمور عن المتعلمين وأعلنتها للبسطاء".

وعبر العديد من الإشارات والنبوءات يصل كولومبوس إلى مبتغاه حين يكتب في رسالته للملكين الإسبانيين "إن الكتاب المقدس يبين عبر الرسل في العهد القديم وعبر مخلصنا ومنقذنا يسوع في العهد الجديد أن العالم سوف يصل إلى نهايته. وأن الإشارات والعلامات التي تذكر متى سيحدث هذا قد جاءت عبر القديسين متى ومرقص ولوقا. كما قام الرسل والحواريون بالتبشير بذلك غير مرة".

وأوغل كولومبوس في تفسيره لفكرته مذكراً بأن القديس أوغسطين قد أشار إلى أن نهاية العالم سوف تحدث في الألفية السابعة. وكذلك اتفق معه الكاردينال بيير من أيللي واللاهوتيون المقدسون. وأنه طبقاً لما أورده جلالة الملك القشتالي الفونسو العاشر (1221- 1284م) الذي عرف أيضاً بالحكيم في جداوله الفلكية بأن الزمان الذي يفصل ما بين ظهور آدم على الأرض إلى مجيء الرب يسوع المسيح هو 5343 عاماً و 318 يوماً . وبإضافة 1500 عاماً مع العام الحالي (1501م) الذي لم ينته بعد سوف نصل إلى عدد من الأعوام يبلغ 6845 عاماً.

وطبقاً لهذا الحساب يتبقى 155 عاماً فقط على العام 7000 الذي ذكر العلماء واللاهوتيون أنه سوف يشهد نهاية العالم. وهكذا اتكأ كريستوفر كولومبوس على ما ذكرته النبوءات والفرضيات المسيحية السابقة من أجل الوصول إلى مبتغاه وهو ضرورة عودة مدينة الرب إلى المسيحية قبل نهاية العالم.

وتأكيداً لكلامه لم ينس كولومبوس أن يشير في خطابه إلى أنه نجح في اكتشاف العالم الجديد بفضل نبوءات النبي أشعيا أكثر منه بفضل معرفته بالرياضيات وعلم الخرائط. ليعود من جديد ويكتب "... لذلك كله أود تذكير سموكم بضرورة القيام بحملة عسكرية واسترداد مدينة القدس اعتماداً على نفس الإشارات التنبؤية في الكتاب المقدس. وطالما توفر لدى جلالتكم الإيمان الصادق فلتكونوا واثقين من تحقيق الانتصار في مسألة استعادة الضريح المقدس، فقد تحققت وعود الإنجيل جميعاً".

كما قام كولومبوس بتذكير الملكين الإسبانيين بأن نجاحهما في استرداد أراضي الأندلس لم يكن بفضل ما لديهما من إمكانات عسكرية ومادية، بل إن ذلك قد تم في الحقيقة بفضل الرب الذي سبق أن أنقذ القديسة كاترين في مصر بعدما رأى دليل إيمانها.

ولم ينس المتعصب كولومبوس أن يختتم رسالته بالتأكيد على ما سبق أن كتبه الأب يواقيم الفيوري (1145– 1202م ) وكذلك تابعه الراهب أرنو الفلانوفي (1250 – 1321م) من أن الشخص الذي سوف يقوم بإعادة بناء الضريح المقدس فوق جبل صهيون بالقدس سوف يخرج من أسبانيا.

وهكذا يكشف خطاب كريستوفر كولومبوس إلى فرديناند وإيزابيلا عن الكثير من أفكاره ومعتقداته بل ونوازعه المتعصبة. فهو يشي بمسحة إيمانية كبيرة، مع اعتقاد لا يرقى إليه الشك عن ضرورة تحقيق كافة النبوءات الموجودة في الكتاب المقدس بعد إعادة اعتسافها وتحميلها ما لا يحتمل. ويبدو أن كولومبوس قد اعتقد أن ما اكتشفه إبان رحلته البحرية إلى غرب الأطلنطي إنما يأتي حسب خطة الرب الرامية إلى عودة المسيح. وأن رحلاته المتكررة هي بمثابة جزء من سيناريو ألفي مسيحاني سوف يؤدي في النهاية إلى استرداد القدس من أيدي المسلمين، ومن ثم إعادة بناء المعبد قبل نهاية العالم في الألفية السابعة حسب نظرية أوغسطين.

كما أشار أيضاً في مؤلفه "كتاب النبوءات" إلى أنه ذكر للملكة إيزابيلا "أنه سوف يستخدم ذهب العالم الجديد من أجل إعادة بناء الهيكل المقدس في مدينة الرب لكي تصبح مركز العالم وحلمة الكرة الأرضية".

ويبدو من المؤكد لنا أن كريستوفر كولومبوس قد أراد استغلال الإنجاز الذي حققه الملكان الإسبانيان على حساب المسلمين في الأندلس 1492م، فأراد أن يدفعهما لمواصلة الحرب عليهم في مكان جديد هذه المرة حيث توجد مدينة القدس في بلاد الشام. وتشي مفردات خطاب كولومبوس بأنهما الملكان الوحيدان المؤهلان والجديران برفع راية الحرب الدينية المقدسة على المسلمين الذين استولوا على مدينة الرب، بعدما هدف إلى إيجاد محاكاة في الذهنية الأوروبية بين فرديناند وإيزابيلا في القرن السادس عشر الميلادي وأسلافهم الملوك الأوروبيين الكاثوليك الذين هبوا لاسترداد القدس في القرنين الثاني عشر والثالث عشر للميلاد الذين رفعوا راية الصليب وأبحروا باتجاه الأرض المقدسة. فقد أصبح الملكان الإسبانيان في زمنه هما رمز المسيحية المنتصرة على الإسلام. كما هدف كولومبوس أيضاً من وراء دعوته إلى جلب تأييد الكنيسة المسيحية الكاثوليكية وإلى الحصول على دعم البابا الكسندر السادس (1492– 1503م) عبر التذكير الدائم بالمشروع الصليبي القديم وبالآيات التنبؤية الموجودة بالكتاب المقدس حول المشروع الصليبي الجديد.

والحقيقة أننا كمسلمين لا يجب أن تغيب عنا تلك الروح الدينية المتعصبة لكولومبس، كما لا يجب علينا أيضاً في النهاية أن نغفل مسألة في غاية الأهمية تقاطعت أيضاً مع أطماع وطموحات ذلك الملاح والمغامر الجنوي الذي تاق دائماً إلى حصد الأرباح المادية الضخمة عبر استغلاله للرحلات التجارية البحرية التي بدأها منذ شبابه المبكر، إلى أن وصل إلى الحصول على 10 في المئة من عائدات التجارة مع العالم الجديد. وهو الأمر الذي نظن أنه دفعه إلى محاولة تكرار ما حدث من قبل، والسير على خطى أجداده من تجار مدينة جنوا الذين كانوا أول من ساعد جنود الحملة الصليبية الأولى في بدايات القرن الثاني عشر الميلادي مقابل حصولهم على امتيازات تجارية هائلة في موانئ ومدن بلاد الشام وفلسطين.

حاتم الطحاوي