في قصص الجزائري محمد قارف: سيزيف وهشاشة الإنسان المُعاصر


آخر تحديث: January 20, 2019, 9:25 am


أحوال البلاد

 

■ تبدو شخصيات محمد الصالح قارف، في باكورته القصصية «سيزيف يتصنع ابتسامة»، مُستأنسة بالقنوط، الذي تعيش فيه، لا ترغب في التغيير، ولا أن تكبر، ولا أن يتحول شيء من حولها. شخصيات تتشبث بالاستقرار الخادع، لا تود أن تتزحزح من مكانها، وتتمسك بالعالم الذي يلفها. تتماهى مع سيزيف في حرصها على التكرار، وفي تحمل المشقات، كي لا تفقد الخيط الذي يوصلها بحاضرها. في كل واحدة من قصص المجموعة، تطفو مشاعر «كره»، قد يكون كرها تجاه الآخرين، أو كرها تجاه الذات، كما لو أن ذلك الإحساس هو الضامن بالاستقرار، ويُساعد تلك الشخصيات في الدفاع عن حقها في عدم التغيير، مع أن شخصيات تلك القصص تبدو، من الوهلة الأولى، فضولية، قلقة، حريصة على الانتباه لما يدور من حولها، لكنها، في اللحظات الحاسمة، تلجأ للاستقرار، للخمول، ولمُعاداة أي طفرة أو تغـــيير في حـــياتها. ومن البداية، كان المؤلف واضحا في خياراته، اختار قصة «سيزيف يتصنع ابتســـامة»، ووضعها عنوانا، وطعم نصوصه، مـــن الداخــل، بإيحاءات وتقاطعات، ومقاطع مستوحاة من الميثولوجيا الإغريقية، استعاد زمنا مضى كي يحكي عن أناس مُعاصرين، سحب من التاريخ القديم صورا ليسقطها على شخوصه، الذين نشعر كما لو أنهم يعيشون بيننا.
منذ القصة الافتتاحية، التي عنونها «الأب القط»، يشرع المؤلف في سحب الميثولوجيا الإغريقية، إلى وقته الراهن، ويبحث عن اشتقاقات لعقدة أوديب، ونزعة قتل الأب، في قصة طفل، يُصادف «هررا حمرا رخوية وضعتها القطة الأم منذ يومين». ولم يكتف بمشاهدتها، كعادة الأطفال، أو على الأقل مُداعبتها، بل طرح على أمه سؤالا، سيفتح باب استفهامات أخرى كثيرة: «أين هو أبوها؟». حاولت أمه إسكات فضوله، بجواب بسيط: «إنه غائب كي يحضر لها الطعام» و«يعود بالليل». واستيقظ الصبي في الليل «على جلبة في الغرفة، التي ينام فيها الثلاثة. رفع الغطاء عن وجهه ووجد أباه يمسك أمه من مؤخر عنقها ويخضها بعنف، سقط خمارها على يد الأب الغاضبة، فبان شعرها الخروبي وهي تصرخ طالبة منه الكف». و«في الصباح لم يغادر الصبي فراشه». من وقتها زاد تقزز الصبي من والده، وود لو يختفي، هكذا.. ببساطة، مثل القط الأب. في القديم، كان قتل الأب من أفظع الجرائم، وكان يُرمى رأس الجاني، في البحر، مع ذلك، لم تخفت الرغبة في قتل آباء، ولا تزال تتكرر، في زمننا الحالي ـ رمزيا. وتأتي قصة «الأب القط» لتذكرنا بمشاعر دفينة، قد يكون البعض فينا أخفاها، أو تناساها، أو خجل من إخراجها، بدون أن يدرك أن هناك الكثيرين يقاسمونه ذلك الشعور، الذي ينمو ويتكرر كل يوم.
قصة «سيزيف يتصنع ابتسامة»، تنفتح على مشهد رجل عجوز يعيش برفقة كلبة، تسمى لادوس، بعد أن توفيت زوجته برناديت. تبدو حياته في تكرار سيزيفي أيضا، روتين يتجدد، كل يوم؛ الوجوه نفسها يُقابلها في الخارج، والطقس أيضا يبدو أنه تعود على الثبات. وكل يوم، يعبر الطريق السيار، بالمشي على جسر حديدي، مرفقا بلادوس. وبدل أن يحمل صخرة مثلما فعل سيزيف، ويتدحرج معها، فقد كان العجوز يحمل معه سلة مأكولات، ستسقط من يده، ويتناثر ما فيها، قبل أن يهم بجمعها، كما لو أنه عقاب خفي له، عن فعلة لا يعرفها. لقد صار ذلك الجسر الحديدي هو جبل المشقات، الذي يقطعه كل يوم، في وهن وتعب، مجبرا، على اجتيازه مرتين. وفي المرة الأولى، التي أراد فيها مُخالفة طبيعة يومياته، ومغافلة القضاء الذي حكم عليه بالتكرار، بأن يقطع الطريق راجلا، وليس من الجسر الحديدي، فقد كلبته، وصار وحيدا، ولكنه لم يغير من عاداته، وواصل العبور مرة أخرى من الجسر نفسه. كما لو أنه سيزيف مُعاصر، يحيا كي يشقى ويكفر عن خطايا ارتكبها، في الماضي، ولم يدفع ثمنا لها.
تلك القصة هي مركز ثقل المجموعة القصصية، هي صورة مركزة عن شخصيات محمد الصالح قارف، الذين لا يملكون خيارا، في حياتهم، بل يفعلون ما تعودوا على فعله، أو يستنسخون ما وجدوا الآخرين يفعلونه.
في غالبية قصص «سيزيف يتصنع ابتسامة» (منشورات ميم، الجزائر 2018)، لم يهـــتم قارف كثيرا بتحديد المكان، ترك فضـــاء الحـــركة مفتــــوحا، مرة في أمكنة مُغلقة، وأخرى في أمكنة مفتوحة، مثل ريف، بقرب مدينة معروفة، ولكن في قصة «ما أنا عليه»، أصر على أن يكون للمكان اسم وملمح، وأن يجعل منه جزءا من عملية السرد، هكذا يجد القارئ نفسه في شارع بن مهيدي في وهران، يتتبع خطوات البطل، الذي لم يهمه سوى «أن يفوز بسيجارة، أو حتى أعقاب سيجارة بطعم نعال العابرين»، لعله بعد ذلك يعثر على «كسرة خبز أو فنجان قهوة، لم يتمه صاحبه». قبل أن يستلقي، على الأرض، يتألم من جرح في ساقه، ليجد نفسه هدفا لشفقة الوهرانيين، الذي ظنوا أنه متسول، وأغدقوا عليه الصدقات، ويكتشف حيلة في كسب يومه، بدون جهد، لكن الأمر لم يدم طويلا بعد ظهور مُنافسين له، واعتقالات الشرطة المتكررة له، ونقله إلى مركز العناية الصحية، لكنه يفر منه، ويعود لجرح ساقه، كسبا لشفقة المارة، حتى تفاقم الأمر وانتهى ببتر ساقه، وفقده مهنته الجديدة، في التسول، ثم إعادة خلقه، من جديد، من جسده الذي بتر واحدا من أعضائه.
في «سيزيف يتصنع ابتسامة» تتعلق الشخصيات بالانتظار، تُقاوم الضجر بالانتظار، لكن ليس انتظار تغيير، أو أن تنقلب حياتها، بل انتظار أن لا يحصل شيء، تشبه في ذلك المجتمعات الخاملة، التي خرجت منها، تضمحل تلك الشخصيات، في انتظار أن لا يحدث أمر ذو أهمية، ولا يهمها، في تلك الحالة، أن تعيش وحيدة، في عزلة، فغالبية شخصيات محمد الصالح قارف تبدو مُعادية للآخرين، مستمسكا بعروة أنانيتها، لا يثقون في الغير، كما لو أنهم في عداء مع حاضرهم، وفي أثناء الانتظار، تعيش تلك الشخصيات حيوات ومواقف وأحداث، يغطس الكاتب يده فيها، ليخرج، في الأخير، بباكورته القصصية.

سعيد خطيبي/ كاتب جزائري