تحوُّل تاريخي في الكونغو


آخر تحديث: January 13, 2019, 12:07 pm


أحوال البلاد
بقلم: عطية عيسوي

أن يمتنع الرئيس الكونغولي جوزيف كابيلا عن الترشح لانتخابات الرئاسة ويلتزم بأحكام الدستور بألَّا تزيد مدة الرئيس علي فترتين متتاليتين، ثم يفاجئنا بعدم تسخير أجهزة الدولة لتزوير النتائج وبالسماح بفوز مرشح معارض وهزيمة المرشح الذي اختاره بنفسه عن الحزب الحاكم، لهو تحوُّل يمكن أن يوصف بأنه تاريخي بصرف النظر عن تشكيك الكنيسة الكاثوليكية ذات النفوذ الواسع والحكومتين الفرنسية والبلجيكية في النتائج ورفض مرشح المعارضة الذي حلَّ ثانياً لها.وإذا استمر قبول النتيجة من الأجهزة الحاكمة ولم ينقلب الجيش علي القيادة الجديدة بذريعة حماية وحدة واستقرار البلاد ولم يهيج تشكيك القيادات الكنسية الجماهير، سيمكننا أن نقول إن الكونغو الديمقراطية أصبحت بالفعل اسمًا علي مسمَّي، ولم يعُد هو البلد الذي لم يشهد انتقالًا سلميًا للسلطة منذ استقلاله عن بلجيكا عام 1960 وحكمه بحد السيف ثلاثة رؤساء فقط طوال 58 عاما ووُجهت اتهامات قوية لكابيلا بمحاولة تعديل الدستور ليتمكن من الترشح للمرة الثالثة وباختلاق الذرائع المختلفة للبقاء في الحكم.

  تشيسكيدي الذي حصل علي 38٫5% من الأصوات قال لأنصاره إن أحدًا لم يكن يتخيل سيناريو يخرج به مرشح معارض فائزًا..لم نعد من اليوم ننظر إلي كابيلا كخصم ولكن كشريك في التغيير الديمقراطي.ويبدو أن إعلانه خلال الحملة الانتخابية أن القضاء علي الفقر أولويته الأولي في حالة فوزه واستفادته من تاريخ والده النضالي في المعارضة حتي وفاته عام 2017 ورئاسته أكبر حزب معارض (الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم الاجتماعي) وتشكك كثير من الناخبين في أن فوز منافسه المعارض مارتن فايولو سيعود عليهم بالنفع معتبرين إياه أرستقراطياً لا يحس بهمومهم وتأييد غالبية ناخبي العاصمة كينشاسا وإقليم باندوندو الغربي الذي تنحدر منه عائلته قد ساهمت في فوزه، رغم عدم إجراء الانتخابات في ثلاث مناطق من معاقل المعارضة تضم 1,4 مليون صوت.لكن تهدئة لهجته إزاء كابيلا وتوجيهه التحية له بعد فوزه دفع خصومه لاتهامه بعقد صفقة مع الرئيس وحزبه لاقتسام السلطة وهو ما نفاه.وهناك من قالوا إنه أقل مرشحي المعارضة اعتراضًا علي كابيلا وإن هذا ربما كان سبب عدم اعتراض مرشح الحزب الحاكم أو الرئيس علي النتيجة فور إعلانها.أما مرشح تحالف المعارضة مارتن فايولو فرفض النتيجة ووصفها بأنها انقلاب انتخابي، متسائلا بسخرية:من أين حصل تشيسكيدي علي سبعة ملايين صوت؟.

  وبالرغم من أن مستشارا رفيعا للرئيس أعلن قبوله فوز تشيسكيدي قائلا: لسنا سعداء بالطبع بخسارة مرشحنا لكن الشعب اختار وانتصرت الديمقراطية، إلَّا أن تشكيك الكنيسة الأرثوذكسية وكل من فرنسا ذات الحضور القوي في الدول الناطقة بالفرنسية وبلجيكا المستعمرة السابقة للكونغو في صحة النتائج ألقي بظلال من الشك في سلامة ونزاهة العملية الانتخابية، ووفر ذريعة قوية لمعارضي تشيسكيدي لرفض فوزه وهو ما يمكن أن يشحن قطاعًا كبيرًا من الجماهير ويدفعهم للاحتجاج وربما التخريب. وإذا حدث ذلك فستسارع قوات الأمن المعروفة باستخدامها القوة المفرطة ضد المعارضين والمنتشرة بكثافة في شوارع العاصمة ومعاقل المعارضة الأخري بالتصدي لهم ما قد يؤدي إلي مجازر واضطرابات ربما تدفع جنرالات الجيش للاستيلاء علي السلطة،فلابد أنهم ليسوا سعداء بفوز مرشح معارض قد يقيلهم ذات يوم من مناصبهم، وربما يحيلهم مع قيادات أجهزة الأمن للمحاكمة بتهمة ترهيب وقمع قادة المعارضة وأنصارهم والزج ببعضهم في المعتقلات طوال السنوات الماضية.

  فقد أعلنت الكنيسة أن فوز تشيسكيدي جاء علي خلاف النتائج التي حصل عليها نحو 40 ألف مراقب للتصويت نشرتهم في أنحاء البلاد، وهو ما يحتاج من لجنة الانتخابات إلي توضيح، وكشف ثلاثة دبلوماسيين أن إحصاء الكنيسة انتهي بفوز فايولو.وقالت إن مخالفات عديدة حدثت خلال التصويت، حيث تم منع أكثر من 100 من مراقبيها من دخول اللجان وتعرَّض البعض الآخر للترهيب  وتأخر فتح أبواب 20% من مراكز الاقتراع وتم نقل ثلاثة مراكز من مكانها في اللحظات الأخيرة ولم تتوافر مستلزمات التصويت في ثلث المراكز في بداية الإقتراع ووقعت مخالفات تتعلق بالتحقق من شخصية الناخب وبإغلاق الصناديق، وتعطلت بعض ماكينات الاقتراع، بينما قال مراقبو الاتحاد الإفريقي ومنظمة تنمية دول الجنوب الإفريقي إن الانتخابات جرت بشكل معقول.واستند وزيرا خارجية فرنسا وبلجيكا إلي ما أعلنته الكنيسة في تشكيكهم بالنتائج.

  ولكن رغم وجود مخاوف لها ما يبررها من أن ينقلب جنرالات الجيش والأمن علي الرئيس المنتخب فإن هناك ما يطمئن إلي حد ما بأن الأمور قد تسير في طريقها المنشود وتبدأ نبتة الديمقراطية في النمو دون أن يئدها أحد في مهدها، من بينها دعوة الكنيسة ومنظمات المجتمع المدني المواطنين إلي عدم الانخراط في أعمال عنف وكذلك حديث تشيسكيدي عن أنه يمكن أن يعمل مع كابيلا لضمان نجاح التجربة الديمقراطية فضلًا عن اعتراف مرشح الحزب الحاكم بالهزيمة،الأمر الذي يُبقي مرشح المعارضة الآخر وحيدا في رفض النتيجة ويضعف قوته وأنصاره.ومازال أمام المعترض عشرة أيام للطعن في صحة النتائج أمام القضاء،فإذا ما تم إقرار فوز تشيسكيدي سيصبح أول مرشح معارض يفوز منذ الاستقلال ، لكن سيتعين عليه أن يتحسس خطاه جيدًا قبل أن يُقدِم علي أي تغييرات في قيادات الجيش والأمن، وألاَّ تدفعه نشوة الفوز أوالرغبة في الانتقام لما عاناه هو ووالده الراحل وقيادات معارِضة أخري من تنكيل إلي اتخاذ إجراءات غير مدروسة جيدًا، قد يدفع هو وقيادات المعارضة ثمنها غاليًا ومرة واحدة.وكفي ما أريق من دماء خلال الحرب الأهلية التي أودت بحياة ما بين خمسة وستة ملايين إنسان قتلًا وجوعًا ومرضًا خلال العشرين عامًا الأخيرة.

 

عن جريدة "الأهرام"