دبليو آتش أودن في ذكرى دبليو بي ييتس


آخر تحديث: January 12, 2019, 12:04 pm


أحوال البلاد

 

(في ذكرى مرور ثمانين عامًا على رحيل الشاعر الأيرلندي دبليو. بي. ييتس، الذي توفي في 28 يناير/كانون الثاني 1939، ارتأينا ترجمة المرثية الشهيرة التي خطّها الشاعر دبليو. إتش أودن أثناء إقامته في نيويورك والتي كان وصلها مبحرًا من لندن قبل ثلاثة أيام فقط من موت الشاعر. وتعدّ هذه القصيدة الحديثة في صورها ومفاهيمها ونظمها، تحيةَ إكبار ورثاء غير تقليدية للصديق الراحل، ووقفةَ تأمل تتقصّى دور الشعر ومكانته في العالم الحديث وقتذاك، وقد بدأ يضجّ بقرع طبول الحرب العالمية الثانية.
استطاع أودن بمرثيته هذه، الخروج عن طبيعة المراثي التقليدية السائدة آنذاك، وذلك بتشريع أبوابها على الفلسفة والنقد الاجتماعي ونظرية الفنّ. ثم هي ليست ببكائية من سلالة البكائيات التي تمجّد الميّت، وتفطر قلوب البشر والشجر والحجر؛ فالنهر يجري من دون الالتفات لهذه الخسارة الأليمة، وأيرلندا تُحافظ على مزاجها، كذلك فإنّ الشتاء، بطبيعته فصلٌ قاسٍ، وما من أرصادٍ تقرُّ بأنّ لموت الشاعر تضاعيفه الاستثنائية في البرد القائم والظلام الطاغي. لا غياب ييتس يُحدث شيئًا مُفارقًا في الطبيعة أو الوجود، ولا شعره أو الشعر عمومًا يُحدث شيئًا بدوره. الشاعر يرحل تاركًا شعره مبعثرًا في أحشاء الأحياء لكي يحكموا عليه وفق قوانين رؤاهم الخاصة وتأويلاتهم. وفِي النهاية، تحيا قصائد ييتس حياةً كاملة مستقلةً عنه، حتى إنّ خبر موته أُخفي عنها!)
تجدر الإشارة إلى أنه يمكن الاستماع إلى هذه القصيدة المنقولة عن الإنكليزية، وقراءتها مصحوبةً بالنصّ الأصل، في فيديو على موقع يوتيوب، من إعداد صادق آل غانم وترجمة آمال نوّار، وذلك على الرابط التالي:
قد غابَ في طيِّ موتى الشتاء:
الغدرانُ كانت متجمّدةً، والمطاراتُ شِبْهَ مهجورة،
والثَّلجُ شوّهَ التماثيلَ العامة؛
قد غارَ الزِّئبقُ في فَمِ النهارِ المُحتضِر.
فأيُّ الأرصادِ لدينا، تُقِرُّ بذلك؛
يومُ مَمَاتِهِ كان يومًا باردًا مُظلمًا.
بعيدًا من مرضه،
واصلتِ الذِّئابُ الجريّ
عبر الغاباتِ الدائمةِ الخُضْرة،
والنهرُ الريفيُّ لم تفتنْه
الأرصفةُ العصرية؛
عبر الألسنةِ المُؤَبِّنة
أُخفيَ موتُ الشاعرِ عن قصائدِه.
ولكنْ بالنسبةِ إليه،
كان هذا هو مساؤُهُ الأخيرُ، ليكونَ هو نفسُهُ،
مساءٌ من الممرضاتِ والشائعاتِ؛
مقاطعاتُ جسدِه تمرّدتْ،
وساحاتُ ذِهْنِهِ كانت خاوية،
الصمتُ اجتاح الضواحي،
وتيارُ مشاعرِهِ توقّف؛
لقد أصبحَ هو نفسُهُ مُعْجبَيه.
الآن مبعثرٌ هو بين مئةِ مدينةٍ،
وبرمّتِهِ ممنوحٌ لتأثيراتٍ غيرِ مألوفةٍ،
لِيَعثرَ على سعادتِهِ في نوعٍ آخرَ من الغابات،
ولِيُعاقَبَ بمُوجِبِ قانونِ ضميرٍ أجنبيّ.
كلماتُ رجلٍ ميّت
يجري تحويرها في أحشاءِ الأحياء.
ولكنْ في ظلِّ أهميةِ الغَدِ وضجيجِهِ،
عندما السماسرةُ يزأرونَ كالوُحُوشِ على أرضِ البُورصة،
والفقراءُ يطوونَ كُشُوحَهم على آلام ٍ مما اعتادوه كفايةً،
وكلُّ واحدٍ في زنزانةِ نفسِهِ، يكادُ يكونُ مقتنعًا بحريته،
سوف يفكّرُ بضعةُ آلافٍ في هذا اليوم
كما يفكّرُ المرءُ في يومٍ ما
حين أتى شيئًا مُغايرًا قليلًا.
أيُّ الأرصادِ لدينا، تُقِرُّ بذلك
يومُ مماتِهِ كان يومًا باردًا مظلمًا.

II
كُنتَ ساذجًا مِثلَنا؛ موهبتكَ نجتْ من كلِّ شيءٍ:
أبرشيةِ النساءِ الثريّات، التدهورِ الجسديّ، نفسِكَ.
أيرلندا المجنونةُ دفعتكَ بأذاها إلى الشِّعر.
الآن، ما تزالُ أيرلندا تحافظُ على جُنونِها وطقسِها،
ذلك لأنَّ الشِّعرَ لا يُحدِثُ شيئًا:
إنّه يحيا في وادي حُدُوثِهِ
حيثُ لن يرغبَ المُدَيرون بالعبثِ أبدًا،
لِيَتدفقَ جنوبَ مزارعِ العُزلةِ والأحزانِ الناشطةِ،
والمُدُنِ الفَجّةِ التي نُؤمنُ بها ونموتُ فيها؛
إنّه يحيا، في أنّه طريقةُ حُدُوثٍ، فاهٌ.

III
الأرضُ تستقبلُ ضيفًا مُكَرّمًا:
وليم ييتس ووريَ الثَّرى.
دَعِ السفينةَ الأيرلندية ترسو
فارغةً من أشعارِها.
في كابوسِ الظَّلام
كلابُ أوروبا كلّها تنبحُ،
والأممُ الحيّةُ تنتظرُ،
كلٌّ منها معزولٌ داخلَ كراهيتِهِ.
العارُ الفكريُّ
يُحَدِّقُ من كلِّ وجهٍ بَشريّ،
وبحِارُ الرِّثاءِ تقبعُ
محبوسةً ومتجمّدةً في كلّ عَيْن.
اتبعْ أيُّها الشاعرُ، اتبعِ الحقَّ
حتّى أعماقِ الليل،
بصوتكِ اللامُتَجَبِّرِ
الذي ما زال يحثُّنا على الهَناء.
بزراعةِ الشِّعرِ
صيِّرِ اللعنةَ كُرُومَ أعناب،
غنِّ عن الإخفاقِ البشريّ
في نشوةٍ من الشَّقاء.

في صَحَارَى القلبِ
دَعِ اليُنبوعَ الشَّافي يتدفقُ،
في سجنِ أيامِهِ
علّمِ الإنسانَ الحُرَّ حُسْنَ الثَّناء.
(1939)

أمال نوار/ كاتبة لبنانية