«الواقعية السحرية» روح القرن العشرين: تأصيل المفهوم وتجلياته


آخر تحديث: January 11, 2019, 1:51 pm


أحوال البلاد

 

«أدركتُ أن الواقع هو أيضا من أساطير عامة الشعب» (غابرييل ماركيز).

«ما هو تاريخ أمريكا اللاتينية إذا لم يكن مجموعة من أحداث الواقع الخرافي». (الروائي الكوبي إليخو كاربنتير).
«الحقيقة الوحيدة أنه تم الكذب عليك في كل الأوقات» (سلمان رشدي).
جاء مصطلح ومفهوم «الواقعية السحرية» ليصف أسلوبا سرديا مختلفا عما كان سائدا من قبل، لا يستند إلى دقة وصف الواقع واستخلاص تفاصيله، قدر الاستناد إلى الخيال لإعادة التفكير في هذا الواقع. وبما أن مفهوم الواقع نفسه فقد يقينه المزعوم عند الكثيرين، فكان لابد من إيجاد أسلوب روائي يواجه هذا اليقين، الذي هو في الوقت نفسه يعد يقينا استعماريا جاءت به أوروبا لتفرضه على آخرين، ظنا منها أنهم أقل من أن يوصفوا بالإنسانية. من هنا جاءت الكتابات لتواجه العقل الواحد ووجهة النظر المتعالية، كتابات واجهت التحرر الوهمي، الذي تم استبداله بديكتاتوريات أكثر بشاعة وقسوة. حول «الواقعية السحرية» اصطلاحا وتاريخا وتجربة أدبية وفنية مؤثرة، يأتي كتاب «الواقعية السحرية» من تأليف ماجي آن بورز، ترجمة سليمان العطار وأماني توما. ومن إصدارات المركز القومي للترجمة 2018.

جذور المصطلح

تأتي الإشارة بداية إلى تنويعات وجذور المصطلح، فـ»واقعية السحر» جاءت في عشرينيات القرن الماضي، وفي ألمانيا تحديدا، وكانت أكثر ارتباطا بفن الرسم. أما (الواقع العجائبي) فارتبط بأمريكا اللاتينية في الأربعينيات، كتعبير عن المزج بين الآراء السحرية والواقعية في الحياة، ضمن سياق ثقافة أمريكا اللاتينية، من خلال الأدب والفن. وفي الأخير يأتي مصطلح (الواقعية السحرية) ليسم مجال الرواية في الأدب الأمريكي اللاتيني في الخمسينيات، كإشارة إلى كل القصص والروايات التي تتضمن أحداثا سحرية في سياق سردي واقعي.

الواقعية السحرية

يبدو التضاد بين كلمتي المصطلح، فهو يدمج جانبين متعارضين هما السحر والواقع، لذا فالواقعية السحرية دوما ترتبط وتعبر عن نمط يتماشى مع معان تتعلق بفكرة الاكتشاف والانتهاك بتجاوز الحدود، سواء كانت هذه الحدود سياسية أو جغرافية، منطقية أو وراثية. وهو ما يفسر شعبية هذا الشكل السردي، فالكاتب من خلاله يتوسله للهجوم على النظم الشمولية والاستعمارية، وبالتالي معارضة أي شكل من أشكال الأصولية في المجتمع. ومنه يمكن مناقشة الفارق بين الواقعية السحرية و(السيريالية)، فالأولى تمثل العقلية البدائية الأمريكية، بينما الثانية تمثل الاعتقاد الأوروبي بالهواجس، وكل ما هو خيالي وغير حقيقي. وكذلك الفارق بينها وبين الفانتازيا، فهي على النقيض من الفانتازيا، فالأمور غير الطبيعية في الواقعية السحرية لا تُربك القارئ، وهذا هو الاختلاف الجوهري بين النمطين.

ما بعد الاستعمار

يمكن أن تُقرأ روايات الواقعية السحرية على أنها أعمال ما بعد الاستعمار، بدون وجهة النظر المحدودة بارتباط هذا الأسلوب بمكان منعزل عن المدينة، فأعمال سلمان رشدي، على سبيل المثال، تدور في المناطق المدنية الكبرى، مثل لندن وبومباي ونيويورك، إلا أن الرواية تُكتب من خلال رؤى هامشية، لذا ارتبطت الواقعية السحرية بالقصص التي تحكي حكايات عن القوى السياسية والمجتمعات المؤثرة في ذلك، ما يعني أنها ــ الواقعية السحرية ــ بدأت ونشأت في فترة ما بعد الاستعمار لكثير من البلدان التي تحارب ضد تأثير مستعمريها السابقين، ويعتبرون أنفسهم على هامش القوى الاستعمارية. وهذا بدوره يفسر وجهة النظر التي يرى بها كُتاب أمريكا اللاتينية العالم، ويعبرون عنها من خلال أسلوب الواقعية السحرية.

إعادة بناء التاريخ

وتبعا لوجهة النظر هذه، تتناول أعمال الواقعية السحرية وجهة مختلفة للتاريخ، فهو ليس المدوّن والرسمي والمعترف به من قِبل أصحاب المصالح، بل يُعاد حكي تفاصيله في نظرة تحمل الكثير من الارتيابية والشك ــ وجهة نظر ما بعد حداثية بمعنى أدق ــ ففي «أطفال منتصف الليل» يُعاد تركيب تفاصيل تاريخ الهند، حسبما يراه بطل الرواية، الذي يعترف بأنه لا يحكي تاريخا شخصيا قدر ما يحكي عن تاريخ الهند، وقد ارتبط تاريخهما بمصير غامض لا يستطيع البطل الفكاك منه. الأمر نفسه في «مئة عام من العزلة»، التي تعيد إنتاج تاريخ قارة أمريكا اللاتينية بأكملها، وكذلك في أعمال توني موريسون كرواية «محبوبة» على سبيل المثال، والتي من خلالها تستعيد قصص العبودية من وجهة نظر النساء من العبيد وذريتهن. عند كل هؤلاء نجد أسلوبا يحاول التفريق بين الحقيقة والواقع والتاريخ، أو حسب مقولة ليوتار.. «تقديم الشيء الذي من المستحيل تقديمه».

 

«القدس العربي»: محمد عبد الرحيم