شعوب كاملة في ضيافة الحبسة


آخر تحديث: January 11, 2019, 1:50 pm


أحوال البلاد

 

بقليل من التأمل في المشهد العربي، يمكن التعرف على بأس سلطة تنظيمية، وتوجيهية غامضة، تمارس شططها خارج إرادة المواطن، سلطة تأخذ شكل قضاء وقدر متعال لا مرد لحكمه، وليس لهذا المواطن سوى الائتمار بأوامره ونواهيه. وهي وضعية على درجة كبيرة من المأساوية والبؤس تجبره على الحياة والموت، وفق ما تخططه له السلطة الغامضة من مشاريع/ فخاخ، لا يكون له أي دور واضح أو معلوم في برمجتها، أو اقتراح الحد الأدنى من خطوطها الطويلة، أو القصيرة. فمهامه ذات طابع تنفيذي بحت، وقصارى ما يمكن أن يبرهن عليه من مواهب وكفاءات، يتمثل سلفا، في مدى ما يمتلكه من قدرات ذاتية على الاستجابة الآلية والقسرية، التي يستلزمها السياق المفروض عليه، والمتورط فيه. تبعا لذلك، سوف لن يكون ثمة مجال للحديث عن مستويات حضور العقل، أو العقلانية، باعتبار أن الدور الأساسي المنوط بهذه السلطة، هو تغييبها لهما معا. ما يساهم بشكل جذري في تدمير القنوات التي تتشكل عبرها الاختيارات الذاتية، أو المجتمعية التي يفترض فيها أن تكون مؤطرة بروح العقل والمنطق.
ولعل آلية التغييب المؤدية إلى تخريب هذه القنوات، والممارسة بهمجيتها القصوى على الشعوب العربية، هي السؤال الكبير الذي ينبغي الاشتغال عليه برؤية نقدية وجذرية، تتلافى محنة تكرار المقولات ذاتها، التي ترغم السؤال على المراوحة الدائمة في المنظومات نفسها، والخلاصات نفسها.

إن إشكالية إعفاء المواطن من المساهمة الفعلية في بلورة رؤية عقلانية لراهنه ومستقبله، من أجل إكراهه على تبني ما يملى عليه من تلك الجهات الغامضة، دونما قيد ولا شرط، هي في حد ذاتها أكثر الحقائق فجاجة ومأساوية، والتي تحيلنا على أزمنة بدائية، دأبت الخطابات التنويرية على استحضارها باعتبارها صفحات سوداء في تاريخ البشرية، ينبغي حاليا عدم الاكتفاء بطيها، بقدر ما ينبغي التعامل معها برؤية مغايرة. ما دامت الصفحات التالية لها، تعاني كلها من بؤس وضراوة الطلاء الغامق والمشؤوم نفسه. إن الأمر يتعلق بحبسة مجتمعية خانقة، تتجاوز حدود الحياة العامة، كي تمتد إلى منهجيات القول والتفكير والبرمجة والتخطيط. وما نعنيه بالحبسة هنا طبعا، ليس الافتقار إلى القدرة على الدردشة العشوائية والمجانية، بل الافتقار النظري إلى الإمكانيات الكفيلة بضبط العلل والأسباب المؤثرة في إجهاض أي تفاعل محتمل بين الذات وما تواجهه من إشكاليات مجتمعية وحضارية. إن الحبسة هنا تأخذ شكل سلطة وصية على مؤسسات وقطاعات ثقافية وسياسية واقتصادية وعقدية، مجردة من أي هامش حقيقي للتأمل والتفكير.
هذا الاستنتاج، يدعونا للإقرار بأن الأمر لا يتعلق فقط بظاهرة تخص المواطن، مفردا كان أو جمعا، بقدر ما يتعلق بواقع عام، ينسحب أساسا على أغلب المؤسسات الوصية، التي يفترض فيها أن تكون مستندة إلى تواصلها البناء والديمقراطي مع المواطن ذاته، في كل ما تخطه من مشاريع وسياسات. لولا أنها، وبفعل معاناتها مع الحبسة، لن تتمكن من تحقيق أي مستوى من مستوياته، سواء مع ذاتها، أو مع الآخر، حيث يتعذر وبشكل تام، الحديث عن قوانين موضوعية، تنهض على أرضيتها أي مشاريع تشاركية، بالمعنى التفاعلي للكلمة، التي يمكن أن تكون موضوع بناء وتشييد، بين مختلف الشرائح المجتمعية.
من هذا المنظور، تصبح الحبسة سلطة في ذاتها، بمعنى أنها سيدة المواقف كلها، بفعل تحكمها في الأخضر واليابس، حيث ليس للشعوب سوى أن تعيش في ظلها وتحت رحمتها، أحداث وملابسات شريط صاعق من أشرطة الخيال العلمي، لا يوحي تسلسل حلقاته باحتمال نهايته اليوم أو غدا.

ما نسعى للتركيز عليه في هذا السياق، هو الاحتجاب التام للمرجعيات الثقافية بمختلف توجهاتها. احتجاب لا يمكن تأويله بغير هيمنة الحبسة على الحواس، وعلى الفكر، كما على ملكات الفهم والتفسير، ما يفاقم من اتساع الهوة بين الوعي، وموضوعاته. فكلاهما منغلق على ذاته، ومثل نيازك منفصلة عن مداراتها تتوزعهما الأرجاء، بدون وجهة معلومة، أو قصد واضح. فما من مرجع مؤهل للإقناع، أو لاقتراح مسطرة عملية وموضوعية من شأنها المساهمة في تفعيل تواصل صحي وعملي داخل محيط، غير قابل أصلا للاستجابة، أولا بسبب غياب الوعي بحضوره، وثانيا بسبب احتجاب المحفزات المعرفية التي من شأنها بث الحياة في إوالياته. والملاحظ أن المرجع التراثي الذي يعتبر مبدئيا – أو كان يعتبر- أكثر قربا من الذات العربية، بكل ما يتميز به من تلوينات روحية، وأخلاقية وثقافية، أمسى في العقود الأخيرة مثار شبهة، بفعل ما تثيره الممارسات الظلامية من اختلالات عنيفة في البنيات المجتمعية ككل، حيث إنه لم يعد يغري بتبنيه، أو اعتماده دليلا يهتدي التائه بحكمته في قلب الأنواء والعواصف التي تتقاذفها السماوات والأرضين، حتى من قبل المنتصرين لقيمه، بل الأنكى من ذلك، أنه تحول إلى شبح مخيف، مؤرق يحول بينهم وبين ممارسة حق حضورهم في المشهد الدولي. لقد أصبح هذا التراث دليل انتماء الذات العربية إلى أزمنة أصولية، غير مؤهلة لفتح أي حوار محتمل مع الخطابات الحداثية التي تتحقق بها استمرارية العالم. وبالنظر لتجذر هذه الرؤية.

وهذه القناعة لدى الوعي الكوني، فإن الإنسان العربي أمسى معنيا بتصحيح صورته في ظل افتقاره لمرجعية عقلانية، مؤهلة لتحقيق هذه الغاية التي تأكد استعصاؤها على أي مقاربة تبسيطية أو اختزالية. وتوخيا للحد الأدنى من الموضوعية، يمكن القول بأن هذا المرجع التراثي الذي كانت الشعوب العربية إلى حين، تستمد منه حضورها الرمزي، ولو في حدود مخيال/وهم، يزدهي بذاكرة ملتبسة يتعذر تصريفها على أرض الواقع، هو باستمرار، وعلى مر العصور، موضوع نهش دائم، وموضوع تحريفات عدوانية، وتشويهات مزمنة، نتيجة هوس غابات الأيدي المتنافرة والمتنابذة بالاستحواذ عليه، كلما استبد بها الشعور باليأس، وكلما ضاقت بها السبل، وهي تبحث عبثا، عن دور ما، في قلب واقع متاهي، يضمن لها إمكانية الهيمنة على اللحظة التاريخية، وتطويعها لحساب خصوصيتها مهما كلفها ذلك من مكائد تدميرية. والحال أن هذا الدور المحلوم به، يوجد هو أيضا في ضيافة حبسة تحكم طوقها عليه، كي يظل محتفظا بانغلاقه وباسترخائه الطويل على سرير الغياب. مع العلم أن الحديث عن الخصوصية، لا يعدو في العمق أن يكون هو أيضا، حديثا عن «ألبوم عائلي» قديم بالأبيض والأسود، تغري مسحته الرومانسية والحالمة، كل من يتصفحه بالسهر على صيانته ورعاية، كي يظل محتفظا أبدا بأصالة وهمية، تحتجب خلفها كل الممارسات العدوانية المطبوعة بعنفها ومكرها السلوكي. فالطيبوبة المبالغ فيها، والتي تفيض بسخاء على وجوه القبيلة المحشورة في ألبوم الخصوصية، جاهزة في أي لحظة للبوح بلهب الاختلالات المزمنة المتأججة في صدورها.

رشيد المومني/ شاعر وكاتب من المغرب