في التسليع والاعتراف: كيف تُصنع ثقافة «الأقليات»


آخر تحديث: January 11, 2019, 1:49 pm


أحوال البلاد

 

تسود على نطاق واسع مقولات حول مسائل الثقافة والهوية، تعتبر أن أبناء الأقليات يعانون لانتزاع الاعتراف بهم وبثقافاتهم، وينشطون لأجل تمكينهم الاجتماعي والمؤسساتي. فالدولة الحديثة، المبنية حسب هذا المنظور على أساس ثقافة ودين الأغلبية، لم تترك مجالا كبيرا للاختلاف، وعلى من يريدون الاندماج بها أن يتخلوا عن جانب كبير من ثقافاتهم الأصلية. يميّز البعض أيضا بين تعددية ثقافية على النموذج الأنكلوساكسوني، تتيح هامشا للاعتراف بالهويات، وأحادية ثقافية قائمة على مبدأ المواطنة المجردة، وفقا للنموذج الفرانكفوني، الذي تعاني فيه الأقليات الأمرين للاعتراف بثقافاتها. المشترك بين هذه المقولات على ما يبدو افتراض أن الهوية الثقافية للأقليات سابقة، أو على الأقل مستقلة ومعارضة في وجودها لسياسات الدولة الحديثة، وميول مجتمع الأغلبية.
من المفاهيم المهمة في هذا السياق فكرة «إنشاء الأغلبية»، التي ترى أن الأغلبيات تم تصنيعها سلطويا منذ البداية في تضاد مع الأقليات، وعلى أساس تهميش الأخيرة واستبعادها، إلا أن أنصار هذه الفكرة، في أغلب الأحيان، لا يمدونها إلى نتائجها المنطقية، فلا يشككون بمفهوم الأقلية من أساسه، بل يعززونه إلى أقصى حد، لدرجة يرون المجتمع فيها مجموعة من الأقليات القائمة على الثقافة والجنس والعرق والميل الجنسي، تعاني من اضطهاد بعضها بعضا، وتسعى جميعا إلى الاعتراف والتمكين.
لا يمكن تقييم كل هذه الفرضيات والمفاهيم إلا من خلال تحديد مفهوم الثقافة، وكيف تنشأ وتنتشر. هل توجد في الشرط الحداثي بالفعل ثقافات سابقة ومستقلة عن الدولة؟ وهل عانت الأقليات فعلا من اضطهاد ثقافي؟

صناعة الثقافة الأقلوية

مراجعة التاريخ الثقافي للدول الغربية يجعلنا نشكك بفرضية كبت ثقافة الأقليات، بل ربما الأدق القول إن العكس هو الصحيح، فهنالك فائض إنتاج كبير لها، وعلى خلاف وضع أقليات معينة في العالم العربي، مثل الكرد والأمازيع، الذين عانوا فعلا من إلغاء كامل لحقوقهم الثقافية، بل حتى إنكار وجودهم الاجتماعي بحد ذاته، أغرقت جهات إنتاج الثقافة في الغرب سوقها، منذ مطلع القرن العشرين، بمنتجات مثل «موسيقى السود» و«الأدب النسائي» و«الثقافات الإثنية».
في كتابه «صناعة الثقافة السوداء» يتتبع الباحث إيليس كاشمور ادعاءات الأصالة، التي تنسب عادة للمنتج الثقافي «الأسود»، وهو نموذج استلهمه عدد كبير من الثقافات الأقلوية، ليخلص إلى أن البيض كانوا هم المنتجين والموزعين الأساسيين لهذه الثقافة، وأكثر من شجعها وقدمها بوصفها ثقافة مضطهدة تحمل جذورا إفريقية أصيلة، الأمر الذي حولها لسلعة رابحة يمكن تسويقها على نطاق واسع. هكذا تم حصر السود في مجال صناعات الترفيه الثقافي، باعتباره من المجالات القليلة التي يمكنهم فيها أن يعوضوا عن العنصرية التي يعانونها، وبالتالي واجه السود فعلا اضطهادا واستبعادا من كل الميادين، باستثناء الهوية والثقافة، ففيهما بالذات تم تأطيرهم وتحفيزهم على الإنتاج، ووجدوا اعترافا مبالغا فيه.
وعلى الرغم من أن كاشمور لا يستطيع الخروج تماما من ثنائية بيض/سود، لينفذ إلى عمق بنى الفصل والتأطير الثقافي، إلا أن ملاحظاته مهمة جدا، كونها تكشف الطريقة التي يتم بها اختراع «الأصالة الثقافية»: الثقافة «السوداء» ليست ثقافة إفريقية ذات جذور تاريخية راسخة، وجدت نفسها في مواجهة مع «البيض»، بل هي ثقافة أمريكية حديثة جدا، لا يمكن مقارنتها بأي ثقافة إفريقية قديمة أو حديثة، وتم تصنيعها وتشجيعها في الشرط السياسي للدولة الأمريكية المعاصرة، التي تكرس الفصل والتمييز بين البشر من خلال الحدود الهوياتية، وتجعل «الاعتراف» الثقافي بديلا عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. يمكن تطبيق هذا على كل مناحي التعددية الثقافية والتنوع، سواء قضية المسلمين، الذين تم تصنيعهم في الدول الغربية بشكل يتجاوز تنوعهم واختلافاتهم القومية والثقافية والسياسية، واختزالهم في صورة أحادية لملتحين ومحجبات يبحثون عن الاعتراف، أو جانب كبير من سياسات الهوية «النسوية»، التي تستبدل قضايا مثل المساواة القانونية، وحرية تقرير المصير الفردي، والوضع الاجتماعي والطبقي للنساء، بعدد من الكليشيهات الإعلامية المكررة، عن نساء حققن النجاح الفردي بعد تمكينهن. إضافة لمصفوفة كاملة من المفاهيم المضخمة لدرجة سيريالية عن «التمييز الجنسي» و«ثقافة الاغتصاب»، التي تعيد إنتاج صورة المرأة بوصفها ضلعا قاصرا، غير قادر على مواجهة الآخر، أو التحكم بحياته الخاصة، إلا تحت وصاية الهوياتيين.
يمكننا أن نجد معنى آخر لـ«الاعتراف» لدى ميشيل فوكو: في ثلاثيته «تاريخ الجنسانية»، يؤكد المفكر الفرنسي أنه لا يمكن تأريخ الجنسانية في المجتمعات الغربية فقط من خلال فرضية أن السلطة عملت على قمع الجنس وكبته، فما يثير الانتباه أن هذه المجتمعات، حتى في أكثر لحظاتها كبتا، لم تتوقف يوما عن الحديث عن الحميمية بوصفها «السر» الحاضر بغيابه، وقامت بتشييد عدد كبير من المؤسسات حولها، تقوم على مبدأ الاعتراف: من غرفة الاعتراف الكنسية وحتى أريكة المحلل النفسي، كان على الأفراد أن يعترفوا للمؤسسات المتزايدة عن جنسانيتهم. يمكننا أن نطبق تحليلات فوكو نفسها على ثقافة الأقليات، فهنالك هوس في الحديث عن هذه الثقافات المقموعة والمهمشة والمقصاة، ودائما ما نرى المزيد من المؤسسات الإعلامية والثقافية والسياسية، التي تنبت لتستقبل اعترافات المهمشين عن ثقافاتهم وتفاصيل حياتهم، وتأطيرها بشكل صحيح سياسيا، أصبحت الهوية اليوم تقنية أساسية لعمل السلطة، والحديث عن قمعها يتجاهل حضورها المؤسساتي الهائل: ليست الهوية جزءا طبيعيا من الروح، أو حضورا تاريخيا ممتدا، بل إنشاءٌ خطابيٌ من اختصاص أجهزة أيديولوجية.

#metoo للفقراء!

لصناعة الثقافات الأقلوية حضور خاص بين الناشطين، وهؤلاء على الأغلب أفراد من البورجوازية الصغيرة التي تعيش في المدن الكبرى، وتتسم بتنوعها. وهي المستفيد الأساسي من كل إجراءات «التمكين»، خاصة أفرادها الأقل قدرة وموهبة، الذين يتيح لهم حضورهم المؤسساتي الكبير، ولعبهم دور الضحية، تعويضا لفقر مواهبهم، وفرصا للترقي الاجتماعي، والتنافس على المكاسب النيوليبرالية الشحيحة. اليوم لم تعد المؤسسات الثقافية والإعلامية والأكاديمية تهتم كثيرا بادعاء المهنية والحياد، بل تقدم نفسها بوصفها راعيا لفئات ذات امتياز، وفقا لمبدأ «تمكين الأقليات المضطهدة». في حين لا تغير كل هذه العدالة الاجتماعية (بالمعنى الأمريكي السائد حاليا للمصطلح) شيئا من أوضاع الفئات الأكثر فقرا واستغلالا.
يتساءل المسرحي الألماني بيرند ستيغمان عن سبب غياب #metoo للفقراء، أي حملة يمكن فيها للأفراد الأكثر فقرا واستغلالا، نساء ورجالا، الحديث عن الاضطهاد الذي يواجهونه في حياتهم اليومية، مثل تعسف وإهانات أرباب العمل (التي لها أشكال كثيرة ومتنوعة، ليس الاستغلال الجنسي سوى واحد منها)، ظروف العمل بالحد الأدنى من الأجور والحقوق، المعاناة اليومية مع التنقل بوسائل المواصلات العامة، والقدرة الشرائية التي تزداد ضعفا. سؤال ستيغمان استنكاري وليس استفهاميا، فحملات «الناشطين» هي جزء أساسي من السياسات النيوليبرالية السائدة، وشكل معتمد لدى «الأجهزة الأيديولوجية» للسلطة، أما النضال الاجتماعي الفعلي فله طرق أخرى لا تعتمد على الاقتناص الانتهازي للفرص، ولا تقتصر على الهاشتاغات على مواقع التواصل الاجتماعي.

الحدود السياسية للثقافة

ربما كان لتسيس القضايا الشخصية والثقافية دور إيجابي في فترات تاريخية معينة، خاصة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حين ساهم هذا بشكل كبير في انتزاع الحقوق المدنية والمساواة القانونية، وإنشاء ثقافات مضادة، أدت لتوسيع الأفق الثقافي العام، إلا أن الصورة في يومنا انقلبت تماما، فبعد أن كان هذا التسيس يتيح للفردانية والثقافة مساءلة السلطة، أصبحت السلطة الآن هي من يُساءل، بل يؤطر ويقوّم أيضا. نزع الحدود بين الحيزين الخاص والعام أدى لجعل الحريات والخيارات الفردية خاضعة للجدل السياسي، بما ينتج عنه من محاولات تنظيم وتحديد ومنع، فلم يبق أي مجال بمنأى عن «التسليع» و«الاعتراف»، وما يرتبط بهما من مؤسسات تراقب وتعاقب، تحظر وتبيح. قد لا يتصرف البشر دوما كأفراد في الحيز العام، بل تتداخل في ممارساتهم عوامل ثقافية ودينية وهوياتية، ولكن من الضروري رغم ذلك اعتبارهم أفرادا من الناحية السياسية والقانونية، لأن هذا وحده ما يمنح إمكانية اجتماعية لحرية تقرير المصير، ويقي البشر من التأطير الملزم بهويات شمولية، ومن فرض وصاية عليهم من ممثلي ثقافاتهم. المساواة الشكلية للأفراد أمام القانون لا تلغي وجود الثقافات، ولكن تفتح المجال للتغيير الاجتماعي، وانتزاع المزيد من الحقوق العامة، وتمنع الجمود المتمحور حول الهوية، الذي يحدد لكل فرد مسبقا ما هو عليه وما يمكن أن يصيره.
ربما كان الأجدى أن نكافح لنحرر أمزجتنا وأساليب حياتنا وتفضيلاتنا الثقافية من التدخل السياسي والمؤسساتي، ولإعادة السياسة إلى حيث تنتمي: ما هو مشترك في حيز عام، يديره أفراد عاقلون وأحرار، لا يحتاجون لوصاية أو تمكين.

محمد الكيال/ كاتب سوري