هلوسات المغيب


آخر تحديث: January 8, 2019, 8:36 pm


أحوال البلاد
بقلم: فاطمة الخليل

 
مهداة :
إلى كل أمير أو أميرة ولدوا على هذه الأرض , كي يجدوا في البحث عن مجدهم الذي يستحقون 
1
أكفان .. أكفان يا عرب
حنظلة من بلد المليار شهيد وشهيد
كان جار البحث عن كفن لقطي الصغير الذي دهس تحت عجلات الجنود , لالالا لست مجنوناً كما ترون فأنا ولدت ومنذ ميلادي تشاءم أبي مني , ولله ليس لسوء في خلقتي لكن لشموخ شاهده في عيني , لكنه لم يرمي بي إلى اللحد على عادة أجدادي في الجاهلية قال : إن هذا مجد لا أستحقه ,, ثم رمى بي قرب بحر الحياة ومنذ ذلك الحين أدمنت التسكع نسيت أن أعرفكم على هروري الصغير الذي كان مثلي صعلوكاً بأمتياز القليل ممن يعرفه لا يقول عنه هر لكن فيلسوف كبير : خسارة لو لم يكن هراً لتخرج في جامعة الحياة فيلسوفاً مثل صاحبه , لكن ماذا تصنع الفلسفة والفكر في عصر لا يعترف بك إنساناً أو هراً كنت .. فليسوف سوف أرمي بشهادتي وشهادة هري تحت نعال كل الأطفال الشامخين الذين ولدوا مثلي ولم يستحقوا مجد أن يوأدوا ممممممممممممممممممممممممثلي !!!!!
حذار أن تقولوا عني إنسان متمرد لا يا سادتي فهذا مجد آخر لا أستحقه بشهادة والدي وأبناء الحي جميعاً وكل جيراني لا هذا مجد لا أستحقه عشرين خيبة وعشرين حرباً مرت بي ولازالت أراهن أن أخرج سالماً كامل القوى العقلية لا أدري لماذا كان من نصيبي لقب مجنون ومن نصيب هري لقب قط الأمير , أميررررررررررررررررررررررررررررر !!!!! 
هذا ثالث مجد لا أستحقه رغم كل ما أتمتع به من ذكاء وقدرات لا تصدق لكنني لست أميراً أنا طفل صغير أغتالوا براءتي منذ وقت طويل لهذا لازلت إلى اليوم طفلاً أتسكع في الطرقات وفي الساحات منذ ألف عام وعام , الكل يشير إلي يبحث عني ويعرف كم صار يساوي رأسي اليوم , أجل أعرف أن الليل لم ينته وأنني أبحث عن ليلة أخرى من ليال شهرزاد كي أدفن رأسي فوق صدر أمي وأبكي .. أبكي .. أبكي , وكان هذا مجد آخر لم أستحقه قط , تريدون أن تعرفوا من أنا لازال الوقت مبكراً جداً نعم لازال الوقت مبكراً , حين يأتي الغياب أيها الأخوة البررة أبحثوا عن نجمة جميلة لا تنير إلا دروب الأمير وهره , دربي أنا !!!!!!!!!!
قالوا أنها لعنة أصبت بها وإلا فلم لم أمت حتى اللحظة كل البشر يعيشون مائة عام على أكثر تقدير وعاثر الحظ مثل هري من يعيش عشرة أشهر , أنا لا أكذب ومع هذا فهو رافقني ألف عام أنه الزمن المطلق الذي لا يمكن لنا أن ندرك منه ألا الشيء اليسير وممكن كما نتلاقى في الأمكنة أن نتلاقى في الأزمنة .
أعطاني أحد العرافين قلادة وقال أنني بمجرد النظر إليها أسافر إلى أي مكان أريد , في تلك الليلة بكيت بحرقة وليس ثمة مكان إلا زرته ,, يا لها من صفقة خاسرة نعم يا لها من صفقة خاسرة .
ابتسم ابتسامة حاقدة وهو يسألني سؤال العارف بي : لا أظنك زرت غزة ؟؟ 
- غززززززززززززززززززززززززة !!!!!!
- نعم ألا تعرفها ؟؟!!
- تلك المدينة التي صارت مزارا لكل القبائل في العالم .
- أجل هذه هي غزة بالأمس اليوم .
- وما أصنع هناك يا سيدي ولست أملك تذكرة إليها .
- أيها الأمير الذكي أنسيت القلادة ؟؟!!
- سأزورها أجل سأفعل ماذا علي أن أحمل قبل سفري ؟؟!!
- أيها الذكي الجاهل , تحمل يقينك بأنك لن تعود حياً وإن عدت ستكون فليسوفاً أعدك .
- ولماذا تعتقد هذا ؟
- كلهم صاروا منظرين بعد زيارتهم إلى غزة ,
داعبت الأماني خيالاتي ونمت وأنا أحلم بغزة جنة خضراء فوق هذه الأرض وحين استيقظت على صوت المؤذن يدعو إلى الصلاة سارعت إلى الذهاب إلى المسجد وكان لدي إحساس كبير بالخوف وهاجس يقول أن خسارتي ستكون كبيرة , آه ليس لدي ما أخاف على فقدانه فأنا لا أملك شيئاً سوى هذا اللقب العاثر أميرررررررررررررررررر رفقاً بي فقد ولدت معدماً ليس لأنه قدري بل لأن والدي الغني جداً باع أملاكه ليهودي بغيض مر من هناك وباع معها أجمل لوحة رسمتها لمدينتي المقدسة وكاد يبيع الكعبة لولا صراخ أمي في لحدها والتي عادت إلى الحياة وبعثت كي تدافع عن كل ما بنا .
- أمي .. أمي .
- أسكت يا ولد لست أمك حتى تعيد إرثي ومجدي الذي كان .
- أنا أيمكن أن أفعل لماذا على مشرد مثلي أن يفعل هذا .
- ولدي لازالت نجمتك تناديك فلا تبتعد وأنا انتظرك لا تنسى هذا انتظرك .
استيقظت بعد غفوة لم تطل وأنا أصرخ : أمي ,, لقد ضاعت أمي مع ملوك الطوائف الذين باعوا كل شيء بالله كيف ظننت للحظة أنني أستعيدها , أمي وبكى شيء بداخلي وأنا أتلمس الدرب إلى غزة وكان هري يغفو فرحاً دون كوابيس أو أحلام .
هناك على الحدود طالبوا بجواز سفري وجواز آخر لهري قلت أنه يرافقني .
قالوا : القوانين هي القوانين .
اعترف أنها أول مرة أتعرف إلى هذه المفردة والتي لغرابتها كاد هري يسقط مغشياً عليه من الضحك لولا أن الجنود أحاطوا بنا وكدنا نسجن بدعوى الإرهاب , آه يا صاحب القلادة أي مجنون أنت حتى طلبت إلي السفر إلى هنا فلا يوجد مفردة أعرفها وهل هؤلاء الناس من كوكب آخر أم أنني أنا من سقط مع المريخين الذي جاؤوا يبحثون عن أرض جديدة فوجدوها كلها ملك حصري للأمريكان وربيتهم ؟؟؟؟!!!!
بعد وقت وحين نظرت إلى القلادة وجدتني قرب شاطئ غزة وكان هري خلفي يتأمل المشهد السريالي ويدون في مذكراته قلت له أن لا يفعل هذا فقد يتهم بما هو أدهى من الإرهاب لكنه أصر وواصل الكتابة تركته لتأملاته ورحت في تأمل آخر وهواجس أخذتني بعيدا .. شاهدتها أميرتي أيمكن هذا أن أجد أميرتي في غزة كانت مثلي لا تستحق أي مجد سوى أن ترمى هنا قرب شاطئ الحياة ناديتها : أميرة .
رمقتني بقسوة واصلت المسير , ولم تكد تمضي حتى خرجت عشرات الأميرات وأحطن بي أدركني الشجن فأيهم هي أميرتي نظرن نظرة غاضبة ومضين بعيداً خلت نفسي في كابوس آخر أصرخ .. أصرخ ,
نظرت حولي ونظرت لما يخطه هرور وكان العنوان زيارة أمير مجنون هذه لم تكن لعنة لا ولم تكن خيبة أخرى جاء الجند واقتنصوا هري بعربتهم ولا ادري كيف سرى الخبر كالنار في الهشيم استشهاد قط الأمير بعربة جند الصهاينة حزنت لموت هري كثيراً لكنني أسرعت أنقذ مذكراته واهرب بعيداً عن الرصاص الذي انهمر فجأة وحصد عشرات الأطفال والشيوخ والنساء .
جاء المدد بسرعة وفي عجلة , آلاف الأكفان من قبيلة العرب العاربة : الله .. الله يا وطن , صرخ شيخ خسر أحفاده الخمس , جاءه صوت من خلفه : أيها الناكر أكنت تنتظر كنز علي بابا .
حدقت في الغريب وقلت أريد كفناً لهري , نظر إلي ملياً وكاد ينفجر ضاحكاً لولا دخول ضابط كبير من المعبر الرئيسي وهو يقول عندي طلبك عندي طلبك .
شاهدت في الصناديق أكفاناً للأشجار أكفان للمساجد أكفاناً للمآذن أكفاناً لتراب الشامخ هناك أكفاناً لأمة كانت أكفاناً وأكفان لكنني لم أجد كفناً لهري .
أشفق علي ذلك الضابط وذهب إلى القصر الرئاسي وقال لي بلهفة : سيدي يدعوك إلى قصر .
لم أحلم يوماً أن أدخل قصر فرعون ولم أر هذا في كوابيسي حتى .
نظر إلي وقال لي : كفن هرك بخلودي على العرش .
نظرت إلى جسد هري الشهيد وعرفت أنني يجب أن أدفنه دون أي كفن فأنا لا أملك أن أحقق رغبة الفرعون وقبل وصولي إلى البوابة قبض علي الجند ولم يسمحوا لي بدفن هري في تراب الكنانة لأنه لا يحمل الجنسية المصرية الله يا وطن الله يا وطن ..
أردت أن أرمي بها وأمضي لكنني لم أستطع ومضيت بعيداً وقررت أن أعود إلى مدينتي مشرداً مثل هري الذي كان اللحد مجداً لا يستحقه .
قبل أن تتعفن جثة هري رميت بها إلى القمامة ,, آسف يا هري الفيلسوف ما هكذا يموت أو يدفن الفلاسفة وقلت لهم أن يكتبوا قرب جثته :
ما أكثر من يموت ليبقى حياً فينا .
حملت مذكراته ورحت أقرأها لالالالالالالالالالالالالا يا سادة ليس اليوم فأنا جد تعب ألقاكم غداً 
تصبحون على خير تصبحون على وطن وكرامة 
كتائب الفتح المبين
مقطع أول من مذكرات قط الأمير
حنظلة من بلد المليار شهيد وشهيد
2
بصيص نور قرب النفق هو ما شاهدته وأنا أودع أشلاء أمي بعد نهاية الغارة : مياوي لقد أصبحت قطاً مشرداً لا يملك قوت يومه فيما أشباح الطائرات لازالت ترهب ليله ونهاره , مصادفة ولا أدري أيمكن لأحدنا أن يؤمن بالصدف , وجدتني وجهاً لوجه أمام أميري المشرد ,, الله لكم كان يشبهني الله لكم كان يحمل من أشواق وجراح , اقتربت منه ألتمس بعض الدفء الذي مات منذ رحيل أمي .
اقترب الأمير وحملني بكل حنو وعطف لا لم يكن يملك قلباً قاسياً وكان قدري أن أكون هر الأمير وأن أكون رفيقه وصديقه طوال ألف عام وعام .
لا أدري كيف أصيب أميري بلوثة البحث عن المجهول , أكان يبحث عن ذلك المجد الذي يستحقه أم أن أشواقه وقفت دون هذا مرات ومرات ؟؟!!
في ليالي الهادئة كنت أراه يتأمل ما حوله بثقة فليسوف وعقل مفكر لكنه لم يكن يستطيع أن يثبت أية نظرية يخرج بها لأن أحداً لن يثق به : وحدهم الأغنياء يثبتون ما يريدون دعني هري أكمل الإبحار في محيط المعرفة الخالد .
أن تعثر على أمير ليكون رفيقك وأنت جد محظوظ لكن أن تفهمه وهذا هو المستحيل لم يدر في خلدي أن أعرف ما يفكر به لأنه كان كتوماً لا يثق حتى بنفسه أحياناً , لكنني كنت أراهن على طيبته ونبله وجدتني أتقرب منه يوماً بعد يوم وفي إحدى المرات انصرف عني وظل منفرداً لساعات وحين اقتحمت عزلته كانت بقايا دموع تسطر ملامحه الحزينة لم أعرف لماذا يبكي الأمراء أحياناً هل لأنهم فقدوا ذلك المجد الذين يحلمون به .. أم لأنهم عجزوا عن تحقيقه ؟؟!!
آه يا أمير ليتني كنت أفهم لغة البشر كي أكون أفضل صديق لديك لكن كيف وأنا مجرد هر مشرد ولد في قيعان الفقر والألم وشرد عن وطنه لأن الأعداء وجدوا ألف حجة لاقتناص التاريخ والثروة والأمل البازغ من ألف جرح هناك .
حدق بي الأمير وأنكر علي ما أفكر به منذ ذلك اليوم أسماني الهر الفيلسوف : لا لست فليسوفاً يا صديقي لكنه دمار العالم والذات هو الذي يتفجر بداخلك ولا يتركك إلا على شفا هاوية .
ربما حلمت مثله أن أخط أشياء لأجيال ستأتي ولن تجد التاريخ الحقيقي لأنه أسير لدى الأقوياء فقط , كانت رغبة جامحة تركتني مكبلاً ماذا علي أن أترك بالفعل ؟ وقد أوغل الأقدمون في البحث عن أسرار شتى : أريد وطني أريد أن تعود إلي أشلاء أمي أريد وبكت كل الجبال والوديان التي خلفتها هناك وبكى ذلك الوكر الذي كان منزلي والذي تحول إلى رماد بعدها ومعه جسد أمي , آه ما أقسى أن تبكينا حتى أشياءنا وأن يبكينا كل ما نحب ومن تركناهم هناك فوق التراب وتحت التراب ولازال الطين يبكي الطين منذ حط آدم رحاله فو ق هذه الأرض , وما ذنب هرور مثلي بغربة آدم عن الجنان قال أجدادي في مآثرهم بأننا هبطنا مع آدم كي لا يشعر بوحشة الطريق وكي لا يكون وحيداً أمام شيطان لازال يعربد وسيبقى إلى يوم يبعثون .
حدق بي أمير وزاد من حزنه أنه صار يرى في ملامحي احتجاجاً يكبر مع الوقت : أيمكن لهر أن يولد ثائراًَ ؟؟؟!!! رقمني ساخراً وهو يرمي كلماته يمضى لينه ذلك السفر الذي بدأه .
هذا كان مقطع من مذكرات هري فلا تشككوا أيها الأخوة البررة بما يرويه هري لأنه كان حقاً هراً فيلسوف .
كتائب الفتح المبين