ما تبقى من صفقة القرن


آخر تحديث: January 8, 2019, 4:15 pm


أحوال البلاد
بقلم: د. محمد حسين المؤمني

منخفض جدا بات سقف التوقعات بشأن صفقة القرن التي ستعلن في الأشهر القادمة، بينما آخرون يرون أنها ستولد ميتة. الصفقة، التي يشار إليها أحيانا بالخطة أو المبادرة لتقليل حجم الرفض لها، تفتقر لأهم عناصر التسويات السياسية والدبلوماسية، وهو قبول الأطراف المعنية لبنودها وخلق إجماع، أو بالحد الأدنى “عدم رفض” من البيئة السياسية المؤثرة.

الصفقة، كما يقول القائمون عليها، لن تحقق تطلعات أيّ من أطراف النزاع، لكنه سيجد بها ما يرضيه؛ وهو ما يعني أنها مرشحة للرفض من قبل أصحاب العلاقة كون أيا منهم لن يستطيع سياسيا تحمل كلفة التخلي عن جزء من مطالبه المرتبطة بالتسوية، سيما أنها جميعها، بالنسبة لهم، مطالب مصيرية وليست قابلة للتنازل.

لا أحد يدري بالضبط ماذا ستقول الصفقة عن ملفي القدس واللاجئين. لكن الواضح عمليا أنه يتم تنفيذ الجزء المتعلق بهما فعليا على أرض الواقع، ونستطيع أن نرى ذلك من خلال قرارات نقل السفارة الأميركية أحاديا للقدس، والبدء بخطوات سياسية خطيرة لخنق منظمة الأونروا ماليا وصولا إلى تصفيتها، ومحاولات متكررة وتصريحات بإعادة تعريف اللاجئ بما يستثني أكثر من جيل من اللاجئين، ما يعني، فعليا، تصفية قضية اللاجئين وحق العودة. تعامل الولايات المتحدة مع هذه الملفات يشير بوضوح إلى أن صفقة القرن قد بدأت مرحلة التطبيق حتى قبل الإعلان عنها، وأن الإدارة الأميركية ستسير بهذا العمل بـ”من حضر” من المعنيين، وأن القائمين على الصفقة لا يعيرون كثير اهتمام لتسويق الأفكار أو استشارة الأطراف المعنية بها؛ فإما أن يقبلوا بها ويسيروا مع الركب أو أن يبقوا على حالهم.

ما تبقى من عناصر وملفات هذه الصفقة أو الخطة المنتظرة، لا يبدو أنه سيختلف كثيرا عن مبادرات وأفكار سابقة طرحت، مثل معايير كلينتون، أو خريطة الطريق، أو أفكار جورج ميتشل التي طرحها في بدايات عهد أوباما.

ولكن، من قال إن النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ينقصه المزيد من الأفكار والمبادرات؟ هناك عشرات الوثائق والمبادرات التي جاءت بأفكار خلاقة ومنطقية وقابلة للتنفيذ. مشكلة المبادرات السابقة جميعها كانت وما تزال في عدم وجود الرغبة الأيديولوجية، والشجاعة السياسية لتطبيقها، كما أنها لم تجد قوة وسيطة تدفع الأطراف المعنية للقبول بهذه الأفكار وتكافئهم على ذلك، أو تعاقبهم إن لم يلتزموا بالتنفيذ.

إذن؛ المشكلة تبقى أولا في خلق الرغبة والقبول بأي مشروع تسوية، وثانيا في وضع نظام مكافآت لتطبيقه وعقوبات لرفضه، وهو ما لا يوجد مؤشرات عليه أو يتوقع حدوثه من قبل الإدارة الأميركية الحالية.

أكثر الأمثلة نجاحا في التعامل مع هذا النزاع كان وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر، وقد نجح لأنه انتقل من مرحلة طرح الأفكار نحو مرحلة وضع نظام ثواب وعقاب لتطبيقها، وتصاحب ذلك مع قابلية واستعداد لدى الولايات المتحدة لتكون ضامنة لذلك النظام وتطبيقه على جميع الأطراف.

 

عن جريدة "الغد" الأردنية