لأول مرة في قطاع غزة المعشوقة السوداء


آخر تحديث: January 8, 2019, 2:23 pm


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير محمد عابد

قيل حين تصبح القهوة شكلًا من أشكال الإدمان يصعبُ دونها أن نشعرَ بالاسترخاء والراحة، لقد كانت وما زالت القهوة المشروب المفضل عند الجميع، إذ يدل ذلك على رموز كثيرة منها الحب والاسترخاء، وقد قال الشعراء قصائد في عشق القهوة,القهوة من المشروبات الساخنة الأكثر شعبيّة في العالم بأسره, وقد بات عشق غزة وسكانها للقهوة ظاهرة لا يمكن تجاوزها, وقد أثبتت بعض التقارير الصحفية العام الماضي , أن قطاع غزة يعتبر من أكثر المناطق استهلاكاً للقهوة في الشرق الأوسط بمعدل يصل إلي أكثر من خمسة أطنان يومياّ,لدرجة أن البعض يقول أن قطاع غزة يستسلم بلا أي مقاومة أمام القهوة, برائحتها المنبعثة من ذلك الكأس حين يتم غليها في كل صباح , لتبعث منها تلك الرائحة التي تداعب خلايا مخ الإنسان,تلك الرائحة التي يعتبرها البعض تفوق رائحة العطور الفرنسية حين تتعانق مع أغاني فيروز الصباحية.

القهوة ذلك المشروب الذي تغني به الشعراء والأدباء, لما لها ارتباط وثيق بالثقافة والشعور إضافةً إلى الذائقة، إذ إنّ شربَ القهوة خاصةً قهوة الصباح تُعطي طاقة وحيويّة، وقد قيلَ عن القهوة أقوالٌ وكلماتٌ كثيرة, فقد قال محمود درويش:"لا قهوة تشبهُ قهوة أخرى، لكل بيتٍ قهوته، ولكلِّ يدٍ قهوتُها، لأنّه لا نفسَ تشبه نفسًا أخرى، وأنا أعرفُ القهوة من ‏بعيد تسير في خط مستقيم في البداية، ثم تتعرج وتتلوى وتتأود وتتلوى وتتأوه وتلتف على سفوح ومنحدرات، ‏تتشبث بسنديانة أو بلوطة، وتتغلب لتهبط الوادي وتلتفت إلى ما وراء وتتفتت حنينا إلى صعود الجبل، وتصعد حين ‏تتشتت في خيوط الناي الراحل إلى بيتها الأول".‏

من شدة العشق بين غزة والقهوة, فقد احترف أهالي قطاع غزة صناعة القهوة وعملها وتقديمها, وانتشرت البسطات الصغيرة علي مفترقات قطاع غزة, كل يقوم بغلي القهوة علي طريقته الخاصة , من أجمل مذاقات القهوة علي مستوي قطاع غزة, تلك القهوة التي يقدمها الحاج أبو هاني أبو لحية, صاحب احدي بسطات المشروبات الساخنة في معسكر دير البلح وسط قطاع غزة, تلك البسطة التي تقدم القهوة علي الطريقة الأردنية,تحت الرمال يوجد نار موقدة لتبقي الرمال ساخنة والمعروف أن الرمال تساعد في نقل الحرارة إلى القهوة أسرع من غاز التسخين،لتخرج بمذاقها الخرافي.

أبو لحية يقول لأحوال البلد:"بداية قضيت قرابة العشرون عاماً في الأردن, وكنت من عشان القهوة علي طريقتهم, حين عندنا إلى قطاع غزة استمريت بشرب القهوة بهذه الطريقة, وفي ظل الظروف الصعبة التي نعيشها, وعدم توفر فرص عمل في قطاع غزة, قررت فتح باب رزق خاص ليتسن لي توفير قوت أبنائي, ومن هنا كان قرار بسطة المشروبات الساخنة وتحديدا القهوة علي الطريقة الأردنية"

ويتابع أبو لحية بخصوص طريقة غلي القهوة علي الرمال:" القصة ليست مكلفة , فقط تحتاج إلي صاج حديدي لتضع فيه الرمال فوق الموقد,وتقوم بإشعال الموقد ليتم تسخين تلك الرمال, ومن ثم نضع غلاية الماء ونضع كمية القهوة بقدر الحاجة, وتنتظر إلي أن تتم عملية غليان القهوة, وتذوق طعمها ولذتها".

ويضيف أبو لحية:" أنا أسكن خانيونس بالقرب من منطقة المواصي, تلك المنطقة التي يوجد بها الرمال الناعمة التي لا توجد في أي مكان أخر في قطاع غزة, أقوم بإحضار الرمال يوميا منذ الصباح, وأباشر عمل القهوة بطريقتي الخاصة, لو لم أجد لنفسي عملا كهذا لوقفنا علي الأبواب لنتسول, فأنا أب لأربعة بنات جميعهن في الجامعات, وجميعهن بحاجة إلي مصروفات ومستلزمات, وما نجنيه من وراء البسطة نعيش به وتكفينا سؤال الناس "

ويتابع أبو لحية حديثه:"  الحمد لله  مع الزمن والخبرة ’ قد استطعت تكوين عدد من الزبائن ,  الذين باتوا لا يفضلوا شرب القهوة إلا من  تحت يد أبو هاني"

ويؤكد أبو لحية أن :" بسطته الصغيرة لا تقتصر علي القهوة فقط, بل إنه يقدم للزبائن , الشاي بالأعشاب , وكذلك النسكافية وكافة المشروبات الساخنة , التي يقوم بعملها وتحضيرها بطريقة احترافية علي حد وصفه"

حسام أحد السائقين والذي يعتبره أبو هاني أحد زبائن بسطته يقول:"أنا من رواد هذه البسطة منذ افتتاح تلك البسطة, حين شربت أول كوب من تلك القهوة شعرت بمذاق القهوة الحقيقي المميز,وأصبحت أجد نفسي لا أشعر بطعم القهوة إلا تلك القهوة التي أشتريها من العم أبو هاني, فأنا أدخل معسكر دير البلح فقط لاشتري قهوتي المفضلة".

ومن الجدير ذكره أنه يوجد في قطاع غزة قرابة ستة وعشرين شركه تعمل في مجال استيراد وتوزيع وتسويق القهوة وتوفر لعمالها دخلاّ جيداّ فلا يوجد ثمة ارتباطاّ بين سعر علبة القهوة مهما غلي وعلي فوجودها شيئاّ أساسياّ في رفوف البيوت وطاولات المقاهي وفي المحال التجارية.