خمس دول تتصارع في سوريا وعليها


آخر تحديث: January 7, 2019, 12:41 pm


أحوال البلاد
بقلم: عصام نعمان

تتصارع الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران و»إسرائيل» في سوريا وعليها. الصراع بين الدول الخمس أغلبه سياسي وأقلّه عسكري. غير أنه تطوّر مؤخراً على نحوٍ بات معه الاشتباك العسكري مرجّحاً وملجوماً في آن. هل ثمة مخرج من هذا الصراع المحتدم؟

للإجابة عن السؤال يقتضي الإحاطة، باختصار، بمرامي كلٍّ من الدول المتصارعة.

للولايات المتحدة، ومعها «إسرائيل»، مخطط قديم يرمي إلى تفكيك محيط فلسطين الجغرافي: سوريا والعراق ولبنان. كلاهما استعان بالتنظيمات الإرهابية التكفيرية، ولاسيما «داعش» و»النصرة»، لتنفيذ هذا المخطط. تركيا شاركت باكراً في التنفيذ بفتح حدودها لتزويد التنظيمات الإرهابية بالرجال والسلاح والعتاد. دافعها إلى ذلك مشاركةُ أمريكا و»اسرائيل» في إعادة ترسيم جغرافية المنطقة، على نحوٍ يمكّنها من تحقيق غرضين: أولهما اقتطاع مساحات من شمال سوريا بدعوى الحؤول دون قيام أكراد سوريين بإقامة كيان بحكم ذاتي سيكون، في نظر مسؤولين أتراك، نواةً لدولة كردية انفصالية. ثانيهما مشاركة الولايات المتحدة و»إسرائيل» في استغلال موارد سوريا الدفينة من نفط وغاز في شرقها وشمالها الشرقي.

تركيا تخوّفت بعد ذلك من دعم الولايات المتحدة بالمال والسلاح والتدريب لبعض الأكراد السوريين السائرين في ركابها ومن تداعيات تعاونهم مع حزب العمال الكردستاني التركي الداعي إلى إقامة كيان بحكم ذاتي للأكراد الأتراك.

سوريا واجهت المخطط الصهيو ـ أمريكي بدعم عسكري من روسيا وبدعم مالي وتسليح وتموين من إيران، وبمشاركة قتالية من حزب الله اللبناني،وهي تقوم الآن باجتذاب مواطنيها الأكراد وإعاتهم إلى حضن حكومتها المركزية من جهة، وتحاول من جهة أخرى، التوصل إلى اتفاق مع تركيا يراعي مصالح البلدين وأمنهما القومي.

رونالد ترامب أدرك، بعد ثلاث سنوات من الدعم للأكراد السوريين السائرين في ركابها، أنه لن يجني من ذلك سوى النزف المالي والبشري وتعكير العلاقات مع تركيا، ولاسيما بعدما تمكّنت سوريا وحلفاؤها من تحرير معظم الأراضي التي كانت تحت سيطرة «داعش» و»النصرة»، فقرر سحب قواته من سوريا.

«إسرائيل» تخوّفت من سحب القوات الأمريكية من شرق سوريا وشمالها الشرقي. اعتبرته هدية لحكم الرئيس بشار الأسد وحليفته إيران. مثلُها فسّرته فرنسا وبريطانيا. بنيامين نتنياهو سارع إلى استنفار اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وتعبئة أصدقاء «إسرائيل» في الكونغرس لحمل ترامب على وقف الانسحاب أو، في الأقل، التريث في تنفيذه. ترامب وافق على إبطاء عملية الانسحاب بدعوى الحرص على حماية حلفاء أمريكا من الأكراد السوريين، لكنه تمسك بمبدأ الانسحاب، مطمئناً «إسرائيل» بأن قواته ستبقى في العراق ومنه تقوم بحمايتها، كما بالحؤول دون إقامة جسر بري بين إيران ولبنان عبر العراق وسوريا، ما يؤدي إلى قطع الدعم اللوجستي عن حزب الله.

روسيا تخوّفت هي الأخرى من انعكاسات الوجود العسكري الأمريكي على سوريا والعراق، كما على نفوذها فيهما. ردّت على الولايات المتحدة بطريقتين: الأولى، بتزويد سوريا مزيداً من منظومات الدفاع الجوي. الثانية، بالضغط مع إيران على تركيا للحوؤل دون انزلاقها إلى حربٍ غير مجدية مع الأكراد السوريين ومع سوريا، في حين يمكن التوصل معهما، بالحوار والتفاوض، إلى اتفاق يؤمّن في آن حماية الأمن القومي والمصالح الحيوية للبلدين، كما وحدة سوريا وسيادتها، على كامل ترابها الوطني، وكذلك استجابة مطالب الأكراد ومنها تدريس اللغة الكردية في المدارس الحكومية، وتجنيس الذين ما زالوا محرومين من الجنسية السورية. ما السبيل الأقصر إلى تحقيق ذلك كله؟

باتفاق روسيا وإيران وتركيا على إخراج الولايات المتحدة و»إسرائيل»، بالسرعة الممكنة، من كامل أراضيها المحتل بعضها أو المعتدى على المصالح الحيوية في بعضها الآخر، وبالتفاهم على صيغة سياسية متوازنة لتمكين الأكراد من التمتع بحقوقهم الديمقراطية في سوريا والعراق وإيران. كلٌ من الدول الثلاث متضررة من الولايات المتحدة بشكلٍ أو بآخر ولها مصلحة، تالياً، في إخراجها من المنطقة، خصوصاً من سوريا والعراق. روسيا متضررة من مخاطر الوجود الأمريكي في سوريا على نفوذها وعلى وحدة وسيادة الدولة الوحيدة التي منحتها قاعدةً عسكرية في حوض البحر الأبيض المتوسط، والمؤهلة والقادرة على منحها في المستقبل حق التثمير والاستثمار في صناعة النفط والغاز السورية.

إيران متضررة من عداء الولايات المتحدة لها وعقوباتها الصارمة بحقها، ومن خروجها التخريبي من الاتفاق النووي معها، ومن دعمها الأعمى لـ»اسرائيل» الطامعة بقضم المزيد من أراضي وموارد حليفتها سوريا. تركيا متضررة من مخطط الولايات المتحدة الرامي إلى تفكيك سوريا خدمةً لـِ»إسرائيل» من جهة، ولتمكين فريق من الأكراد السوريين السائرين في ركابها، من جهة أخرى، من إقامة كيان بحكم ذاتي ليكون، بحسب رأي مسؤولين أتراك، نواةً لدولة كردية انفصالية في قابل الأيام على حساب سوريا وتركيا والعراق وإيران.

الدول الثلاث متضررة من الولايات المتحدة و«إسرائيل» ولها مصلحة مشتركة في وقف اعتداءاتهما المباشرة وغير المباشرة عليها. فهل كثير عليها، والحالة هذه، التعاون وحتى التحالف في ما بينها لرد تغوّل الولايات المتحدة على وحدتها وسيادتها ومصالحها الوطنية؟

أيها المتضررون، شعوباً وحكومات، من أميركا و»إسرائيل»… إتحدوا.

 

عن جريدة "القدس العربي" اللندنية