حركة فتح الفكرة والنشأة


آخر تحديث: December 30, 2018, 10:20 pm


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير محمد عابد

حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، هي تنظيم فلسطيني نشأ في شهر تشرين الأول من عام 1957، وظل يعمل سراً حتى عام 1965 ، حين أذيع أن الشهيد ياسر عرفات هو الناطق الإعلامي للحركة، وقد توافرت المعلومات عن التنظيم ومؤسسيه وقياداته وبرامجه وأفكاره وخططه وعمله من خلال نشاط التنظيم وبياناته وكتبه ووثائقه المنشورة، وكان لفتح جناح عسكري اسمه قوات العاصفة، أعلن بدء نشاطه في1-1-1965 واعتبرت انطلاقة الرصاصة الأولى لقوات العاصفة الذراع العسكري لفتح بمثابة انطلاقة للثورة الفلسطينية المعاصرة.

وكانت نشأة حركة فتح الأم نتيجة اتفاق مجموعات من الشبان الفلسطينيين الذين عاشوا النكبة في صباهم واكتسبوا بعض الخبرات التنظيمية في اتحادات ورابطات الطلاب الفلسطينيين أو في أحزاب قومية عربية، وكان بعضهم اكتسب خبرات عسكرية ترجع إلى العمل الفدائي في قطاع غزة في عام 1953.

تم في الكويت اللقاء الأول بين ممثلي هذه المجموعات في تشرين الأول عام 1957، واتفقوا على العمل من اجل تحرير فلسطين وتجسيد الهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة، وكانت هذه بمثابة القاعدة التنظيمية لحركة فتح، حيث كان لأعضائها امتدادات تنظيمية في مصر وغزة والأردن ولبنان وسورية والضفة الغربية والسعودية وقطر إضافة للكويت ، وقد بدأ التوسع في الاتصالات سرا، ولم يكن هناك شروط للعضوية سوى التوجه لفلسطين، وعدم الالتزام بتنظيم آخر. وفي الأشهر التالية للقاء الكويت تم الاتفاق على تسمية التنظيم بحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، وتم التأكيد على ثلاثة مبادئ في أدبيات الحركة هي: تحرير فلسطين، والكفاح المسلح هو أسلوب التحرير، وكذلك الاستقلالية التنظيمية عن أي نظام عربي أو دولي. ولم يحدث بعد ذلك أي تغيير جذري على هذه المبادئ الثلاثة.

 علي شاطئ مدينة الكويت جلس ياسر عرفات مع أبو يوسف النجار يفكران في حل لمشكلة إطلاق حركة فتح الكفاح المسلح ضد إسرائيل، كان الاتفاق على أن يكون ذلك في أوائل سبتمبر 1964، لكن تم التأجيل لأنهم كانوا يحتاجون نحو 500 قطعة سلاح و50 ألف دينار كويتي " حيث كانت الكويت منشأ الخلية الأولى لحركة فتح"، الأمر الذي لم يكن متوفرا في ذلك التاريخ.

في لقاء ياسر عرفات والنجار نظر كلاهما للآخر وتحدث ياسر عرفات قائلا: «عندما قابلت هوارى بومدين وزير الدفاع الجزائري "كان بن بيلا رئيسا للجزائر" وطلبت منه المساعدة قال لي: "اذهب وأطلق رصاصة ثم عد إلى"، واقترح عرفات للنجار: ما رأيك أن تقوم أنت بعملية عسكرية، فإذا نجحت تتبناها «فتح»، وإذا فشلت يكون الذين قاموا بها مجموعة شبان متحمسين ليس أكثر، ونتابع نحن الاستعداد للانطلاقة .

فيما بعد وصل خليل الوزير أبو جهاد من الجزائر، واجتمع المجلس العسكري للحركة، ووافق على فكرة أبو عمار، هكذا بدأت المسيرة نحو لحظة انطلاقة الرصاصة الأولى، التي انطلقت بالفعل في 1 يناير عام 1965، ويكشف صلاح خلف أبو إياد في كتابه  فلسطيني بلا هوية، طبيعة المناقشات التي دارت بين قادة فتح لإقرار نهج الكفاح المسلح، مشيرا إلى أن عقد اجتماع في الكويت بداية خريف عام 1964 لمناقشة المسألة، وظهر فيه فريقين، الأول ما يسمى بـ المتعقلين وهم الذين وقفوا ضد الكفاح المسلح، وراحوا يؤكدون أن شن حرب لعصابات لا يزال أمرا مبكرا للغاية والأولى الانتظار إلى أن تصبح فتح حركة جماهيرية، أما فريق المغامرين فيقول عنه أبو إياد: كنا بضعة أشخاص، ياسر عرفات وأنا وأبو جهاد ومحمد النجار وأبو مازن وفاروق القدومى وخالد الحسن وسليم الزعنون ومحمد غنيم وسواهم ندافع عن وجهة النظر المقابلة تماما، قلنا بأن الوضع ناضج بالنسبة للكفاح المسلح.

يؤكد أبو إياد أن اجتماع الكويت لم يحسم المسألة، مضيفا: "استحققنا بسبب أطروحة الكفاح المسلح وصف المغامرين"، ودفعنا المأزق إلى عقد اجتماع موسع في دمشق شهر أكتوبر 1964 لكوادر فتح القيادية في البلدان المحاذية لإسرائيل، وخاصة لأطر الضفة الغربية وغزة، أي تحديدا الأراضي التي ستنطلق منها أولى غارات الفدائيين، فانقسم الاجتماع وفقا للشرخ نفسه الذي حدث في الكويت، ولكن نقاشات طويلة أفضت هذه المرة إلى موقف إجماعي على مشروع المغامرين، وبعد ذلك بأيام جرى توقيت ميعاد أول عملية عسكرية ضد إسرائيل يوم 31 ديسمبر.

يذكر أبو إياد، أنه في هذا اليوم عبرت مجموعات سرا لتقوم بغارات على عدة مواضع ضد أهداف عسكرية واقتصادية، ومنشآت مرصودة لتحويل مياه الأردن إلى الدولة اليهودية، وتم تحضير العملية بصورة دقيقة وعلى مدى أكثر من شهرين، وأعطينا الفدائيين أمرا بين جملة ما أعطيناهم من أوامر بألا يحدثوا خسائر في أرواح السكان المدنيين الإسرائيليين، فقد كانت تلك إرادتنا في البدء، يؤكد أبو إياد "تمكن فدائيونا من إنجاز مهماتهم وقاموا بحوالي عشر عمليات بنجاح، ولم يوقعوا خسائر هامة بالعدو، فذلك لم يكن على أية حال هدفنا الأساسي، كنا نسعى إلى إخراج عمل صارخ مذهل يصعق الإسرائيليين، كنا نريد أن نبلغهم وندلل على وجودنا كفلسطينيين، يسعون إلى تدعيم إرادة الصراع بصورة مستقلة استقلالا ذاتيا عن الأنظمة العربية، التي قذفنا في وجهها هذا التحدي".

وقد تم تخليد هذه الانطلاقة في البيان العسكري الأول وصدر في نفس اليوم الأول من يناير 1965الصادر عن قوات العاصفة حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، ونصه:"اتكالا منا على الله، وإيمانا بحق شعبنا في الكفاح لاسترداد وطنه المغتصب، وإيمانا منا بواجب الجهاد المقدس، وإيمانا منا بموقف العربي الثائر من المحيط إلى الخليج، وإيمانا منا بمؤازرة أحرار وشرفاء العالم، لذلك فقد تحركت أجنحة من القوات الضاربة في ليلة الجمعة31 /12 / 1964، وقامت بتنفيذ العمليات المطلوبة منها كاملة ضمن الأرض المحتلة، وعادت جميعها إلى معسكراتها سالمة، وإننا لنحذر العدو من القيام بأية إجراءات ضد المدنيين الآمنين العرب أينما كانوا، لأن قواتنا سترد على الاعتداءات ممثلة، وسنعتبر هذه الإجراءات من جرائم الحرب، كما أننا نحذر جميع الدول من التدخل لصالح العدو بأي شكل كان، لأن قواتنا سترد على هذا العمل بتعريض مصالح الدول للدمار أينما كانت".

أذيع البيان، فدشن عصرا جديدا سيعم المنطقة العربية بأسرها، هو عصر الكفاح المسلح الفلسطيني.