لماذا يحب القراء هذه الروايات؟


آخر تحديث: December 6, 2018, 12:47 pm


أحوال البلاد

 

سأتحدث هنا عن نوعين من الروايات على مقالين. هذا المقال عن الرواية التاريخية وللرواية العجائبية يكون المقال المقبل.
كتب المؤرخون القدامى عن التاريخ، هي مصدرنا عنه وكذلك ما خلّفه الأجداد من آثار. عشرات ومئات من الكتب عادة هي المرجع الأول لمن يريد أن يكتب رواية تاريخية، خاصة أن ما كتب عن الآثار احتوته الكتب أيضا في ما بعد. لكن ما هو داخل الكتب يختلف. فهناك تاريخ كامل لكل العصور يخص الملوك ومعاركهم، لكن تاريخ الشعوب شبه غائب، وإن وجد فهو متناثر في شكل وقائع وأحداث متباعدة. استطاع عدد من المفكرين الوصول إلى روح الأزمنة، وأخرجوا من هذه الكتب ما أعادوا به بناء التاريخ من جديد، ولعل طه حسين من أشهرهم في كتب مثل «الوعد الحق» و«الشيخان»، بل أضاف من خياله مبكرا عن غيره في «على هامش السيرة». وكذلك حسن فوزي في كتابه «سندباد مصري» ويتميز حسين فوزي عن طه حسين هنا بفن الحكي أكثر من الدراسة، فالدراسة قام بها من قبل واختار من التاريخ حكايات توضح ما جرى في مصر منذ العصر الفرعوني حتى العصر الإسلامي، وبلغة حلوة فيها طعم حديث أولاد البلد، فهو من حي السيدة زينب وساعده فهمه العظيم للموسيقى وكتابته عنها، على أن يكون حديثه في طعم الموسيقى، رغم أنه مشحون بالعذاب. كذلك استطاع كتاب كبار مثل أحمد بهاء الدين ومحمود السعدني وصلاح عيسى، أن يتركوا تاريخ الزعماء ويكتبوا عن صنَّاع التاريخ الحقيقيين، فكتب أحمد بهاء الدين «أيام لها تاريخ»، ومحمود السعدني «مصر من تاني»، وصلاح عيسى «حكايات من دفترالوطن» وغيرها. والثلاثة استخدموا الحكي حاملا روح من يكتبون عنهم. طبعا صارت هذه مدرسة في التاريخ في مصر وبدأت مبكرة، لكنها الآن تقريبا صارت شائعة وأسماء كثيرة من الباحثين تتوخى هذا وتعمل عليه.

الأدباء منذ زمن بعيد لعله أول ظهور للرواية كتبوا الرواية التاريخية. وطبيعي أن تنتقل إلى عالمنا العربي كما انتقل فن الرواية نفسه، وكتب في مصر كتاب كبار روايات تاريخية منهم مثلا، محمد سعيد العريان ونجيب الكيلاني وعلي أحمد باكثير، وكانوا يبحثون عن مناطق النضال في تاريخ العرب والمسلمين، وكان لهذا معناه وقيمته والدول العربية ترزح تحت الاستعمار ذلك الوقت.
تعارف الجميع على أن الرواية التاريخية بشكل عام هي التي تتحدث عن ماض بعيد عن القراء المعاصرين للعمل. كانت هذه الروايات على قيمتها لا يهتم الكاتب فيها بالإبداع في الشكل الروائي، فهو مهموم أكثر بإعادة صور من الماضي حافلة بأشكال النضال والحب من أجل الأوطان. نجيب محفوظ طبعا فعل ذلك في بدايته، لكن لسبب آخر وهو انه كان يريد ان يصنع للرواية العربية تاريخا كتاريخ الرواية في العالم. رواية تاريخية ثم رواية واقعية ثم رواية حداثية وهكذا. تطور شكله الروائي مع تقدمه في العمر والكتابة، وفي بعض الأحيان سبق عصره، ويمكن أن نكتب في ذلك يوما ما. في الخمس والعشرين سنة الأخيرة، ازدادت الرواية التاريخية في مصر والعالم العربي، تحت وطأة القهر في البلاد، كأنما لم يخرج الاستعمار فعرفت السجون من الكتاب والأدباء أكثر مما عرفت أيام الاستعمار. صار التاريخ ملاذا وبحثا عن زمن ضائع جميل، أو بحثا عن أصول الخراب في عالمنا. في الفترة الأخيرة انتشرت روايات كثيرة تتحدث عن أعلام الصوفية العرب – بشكل كبير بعد رواية إليف شافاق «قواعد العشق الأربعون» وليس كل الكتاب طبعا – ففي الكتابة عنهم نجاة وأيضا متعة أن تكتب عمَّن يفضلون البرزخ بين السماء والأرض ويصعدون البرزخ في فناء مع روح الله لم يشعر به غيرهم، وصار ما تركوه من كتابة عنه ـ الفناء – يحتاج إلى عقل كبير في فهمه، لأنه ابن تجربة شديدة الذاتية. وحسب موهبة الكاتب تكون القدرة على تقمص روح من يكتب عنهم طبعا وروح زمنه. وجدنا إقبالا كبيرا من القراء على هذه الروايات فالقراء أيضا يبحثون عن عالم آخر، وعن بشر لم يكن ما حولهم راضيا عنهم أو كافيا لهم، فصاروا أمثلة على الفداء.
بالعودة إلى الخلف نستطيع القول إنه منذ البداية تعرف أن الرواية التي تتحدث عن نضال شعب ما أمام الغزاة، سينتصر الكاتب لأهله على الغزاة. والرواية التي تعيد تفسير الأحداث سياسيا سهلة أيضا، لأن الكاتب المثقف من البداية صاحب وجهة نظر ومن ثم سيختار من الأحداث ما يؤكد وجهة نظره ويستبعد غيرها. وهنا قد ينتقل من «الفن» إلى «التأريخ». فالفن الحقيقي لا يعني أن تفهم فقط، لكن أن تحس وتشعر. الفن نشاط للروح قبل العقل، رغم أن العقل طريق الكاتب أيضا في الكتابة، فبناء الرواية جهد عقلي في البحث عن الشكل المعبر عن الروح والمكان والزمان. وكيف يمكن للكاتب أيضا التفوق على تاريخ المذاهب الأدبية ليكون مادة بدوره للنقاد يدرسونه إذا أرادوا ذلك. إذن فالرواية التي تعيد تفسير الأحداث التاريخية سياسيا، سلبا أو إيجابا، قد لا تسلم من الهوى تماما مثل كتب المؤرخين القدامى التي هي ليست سالمة من الهوى وأخلاقيا حرام نبش القبور!

لا يعني هذا أن كل الروايات التي أرادت تفسير الماضي بمعطيات الحاضر سيئة. لكن يعني أنها بعد زمن لن يعود إليها أحد، لأن أفكار الحاضر السياسية مثل كل الأفكار تتغير ومن ثم سيوجد من يعيد التفسير وفقا لأفكار جديدة، ولن تستقر الرواية على حافة نهر الفن كثيرا، وهذه هي الحافة الأبقى والأخلد والأمتع في القراءة.
كيف تكون الرواية التاريخية أعظم؟ بمحاولة الكاتب أن يذهب إلى هناك بدون أي أفكار سياسية أو اجتماعية مسبقة. الجهد المبذول من الكاتب في معرفة العصر الذي يكتب عنه عظيم. لقد درس كل مفردات الحياة اليومية مهما صغر شأنها مثل نوع الأحذية وعطور النساء وشكل الطرق وأنواع التجار والأسعار والأسواق والنشاط العلني والسري للبشر، وغير ذلك كثير جدا جدا سيجده في كتب المؤرخين بلا شك، ويستخدمه لرسم الشخصية، مما يأخذك معه إلى هناك وتنسى به ما حولك. وهنا سيقفز السؤال أي الأفكار إذن أعظم بعد هذا الجهد؟ والإجابة هي الأفكار المطلقة العابرة للزمان. الحب والموت والرغبة في تحقيق المستحيل والخروج على المألوف وهكذا. هذه الأفكار الفلسفية لا تموت بينما الأفكار السياسية مصيرها إلى زوال، وهذا سر حب الروايات عن الشخصيات الصوفية مثلا.
هذه هي الشعرة التي تفرق بين الأدب و«التأريخ» غير ذلك سيقع في خانة التأريخ ويكون أشبه بالنصوص التعليمية، وهذه لا تصمد في تاريخ الأدب، رغم أنه يمكن تدريسها في المدارس.. إذن رغم أي حديث أدبي لماذا يحب القراء هذا النوع من الكتابة؟ والإجابة لأن ما حولنا خراب..

إبراهيم عبد المجيد/ روائي مصري