اللقاء


آخر تحديث: December 5, 2018, 7:10 pm


أحوال البلاد
بقلم: أنس الردايده

 تتوالى الأيام وتتطاير مرسلة كل ما فيها إلى رفوف الذاكرة منها ما يستقر وكثير من أيامنا ذرته الرياح إلى المجهول 

كان هناك في شقته العالية على الطابق الخامس أقنعه أولاده أنها شقة رائعة وأنها أشبه بكوخ على جبل 0
ذلك الشيخ كتاب تاريخ ومجلد ذكريات عاش في كل الأزمنة شمس البيادر تركت أثرا"في وجهه ومعارك الإستقلال 
تركت ندوبا" في جسده 
أحسه كأعمدة جرش وبلوط عجلون صامد قاسي كأسوار قلعة الربض لم تستطع أعتى الجيوش أن تدكها 
ذلك الكبير على وصف كلماتي لاكته الأيام لكنها لم تستطع ابتلاعه كان يتعثر وفي كل مرة يقوم أقوى وأصلب 
حاول أن يضع نفسه في جو قريته بأنه فرش شقته الحصير وعلق على الجدار سيف أبيه ممن كان أحد المشاركين 
في الثورة العربية الكبرى وبندقيته التي حملها في وجه المستعمر قبل أن يرفع علم الوطن مع الثائرين من أبناء الوطن
يوم الإستقلال العظيم 
رائحة القهوة تفوح في بيته وسلال القش والمهباش كلها كانت رفيقته في وحدته لم ينتقل إلى سكنه الجديد إلا مرغما" 
أبناؤه طلبوا إليه أن يبقى قريبا"منهم فقد كانت أعمالهم في المدينة وبعد قريتهم لايسمح لهم بزيارة أبيهم إلا في المناسبات 
لم يحب كل مظاهرالحضارة وتمسك بالأصالة حتى بلباسه الرائع وخنجره الملتصق بخصره 
كان يكره (الدش) فقد أصابته الجلطة بينما كان يتابع مشاهد سقوط بغداد ومن يومها لم يشغل هذا الجهاز في بيته 
شيئ خفي كان يناديه كان صوت الأرض يقضي مضجعه رائحة التراب مازالت عالقة في أنفه رفع سماعة الهاتف 
وطلب من أحد أولاده أن يوصله في الغد إلى القرية ليتفقد قطعة الأرض الباقية لديه لم يزرعها منذ سنوات لكنه 
حريص على زيارتها كأنها أحد أرحامه 
عند وصوله إلى الأرض طلب من ولده أن يتركه لساعة ثم يعود لاصطحابه جلس مفترشا" التراب وأخذ ينظر من حوله
يرى أن الأبنية من حوله قد ازدادت وأن قطعة الأرض التي حافظ عليها وأبوه من قبله قد أصبحت محاصرة من كل
الجوانب أمسك بعض ترابها اشتمه قبّله رائحة دماء الشهداء تفوح كمسك وعنبر عادت به الذاكرة إلى أيام الشباب كان يزرعها قمحا" ويحصدها ويدرسها كانت تعطيه أضعاف ما أعطاها 
هذه الأرض الطاهرة كانت وما زالت أعز شيء على قلبه الكبير 
ها هو الإبن قد أتى لينقل والده عائدا" 
ناداه أبي أبي  لم يستجب للنداء كانت عيناه معلقتان بالسماء ويده تحتضن تراب الأرض