ثقافة الإخصاء بين أدلجة الشارع وأزمة المثقف في المشهد الثقافي السوري الراهن


آخر تحديث: December 5, 2018, 11:33 am


أحوال البلاد

 

علاء زريقة

يبدو أن ما خرج به الفنان السوري( عباس النوري)  قبل أيام أثار حفيظة المتشددين للتراث المحنط، هذا التراث الذي أصبح مدعاة للسخرية والتهكم يبحث عن بطولات وهمية في أموات تركوا لنا عبئ الدفاع الغير المجدي عن مفاهيم أصابها العطب الروحي قبل الجسدي.

  الوسط الثقافي السوري المهلهل الذي  يرفض مجرد ذكر الشاعر و المفكر الكبير ( أدونيس)  لا يزال ب عتاعيته” و ديدانه الرخوة المثقفة” تجاوزاً يتحاشى ذلك ل حجج سخيفة و أسباب لا تمت لأدنى منطقية، و لكنها تستشرس دفاعاً عن كذبة ( صلاح الدين).

هذا يقدم صورة واضحة لمدى العفن الذي بلغته بنا الأدلجة التحنيطية ثقافياً عن طريق تحويل الأدب لمؤسسة، و الفكر لإنتاقية طفيلية تمارس دور المخبر و العسس ضد القلم و العقل و تحول الكاتب ل خصي يستجدي الرضاء و الغفران متنكراً لدوره ك ذات تحريضية للوعي، مؤسسة تجهض أسمى ما في الأدب عن طريق أتباع الصراط المسموح به رقابياً ، و تنميط الحركة الابداعية ب ( التبني) ايديولوجيا  الذي يخالف أدنى شروط الكتابة كفعل حر يصدر عن كائن حر .

(يجب تحريك الخوف وإخراج العنف والتوقف عن اعتبار المسرح كمكان تأملٍ وتسلية. أريد مسرحاً دموياً يحوِّل الممثّل وجمهوره. يجب إثارة الحواس وكشف الحب والجريمة والحرب وخصوصاً الجنون في جوانبها الأكثر بشاعة وفظاعة.)

هكذا يطرح انتونين ارتو” فكرته عن الكتابة من خلال العرض المسرحي( مسرح القسوة) ، هذا يحيلنا إلى سؤال اساسي و دائم موجود في ذهن كل مشتغل في الأدب (لماذا نكتب)  تبدو الضبابية اليوم مسيطرة على المشهد الثقافي السوري حيث لا يزال المثقف ( يمشي الحيط)  و يطلب براءته فقط من أزمات حادة تتعرض لها البلاد تشكل الحرب المستمرة منذ سبع سنوات و نيف نتيجة حتمية ل مراكمات تاريخية و سياسية و ازمات وعي تنخر ب سوس موروثها المتعفن الجسد الوطني اليوم.

و المضحك المبكي أن عجز هذا المثقف” يقابله تطور كبير في الذهنية العامة لدى معظم الشباب السوري الذي حمل السلاح و توجه إلى الميدان مدركاً تماماً و واعيا لتجذر نوعي للهوية” ك بعد فردي ذاتي أولاً لا يتعارض مع البعد الجمعي الذي يختزل رغبات هؤلاء جميعاً في وطن حقيقي خارج أي تقسيم تجزيئي لهذه الهوية.

و يمكننا القول بإن هناك ازمة مثقف عجز و لا يزال عن دفع عجلة الوعي الى الامام تاركاً الساحة مفتوحة. لكل تجار العقول و مروجي حشيش العفن الفكري الغيبي، لا بل نراه احياناً ينقلب على يساريته متطرفاً باتجاه اقصى اليمين.

هذا التخاذل و الانبطاحية لا يمكن. اعتبار الفرد المثقف” مسؤولاً عنها وحده ك قوة ناعمة فشلت النخب بترسيخها ك قادة لمجتمع ينهض من مرحلة استعمارية طويلة، و اضطربات داخلية اخّرت بشكل كبير تقدم هذا الجمع البشري ككل.

التنفيعات” و الطبطبة ” و الركون ل عدمية مفرغة من ٱي قيمة فلسفية وجودية بالجلوس في برج عاجي حيث ينظر من. خلال هذا الكائن اللا-منتم سلباً للشأن العام من ثقب ضئيل ( عاهاته الخاصة)  و ضعفه المأزوم ليخرجها بصفة انكارية متهماً الجميع بتهميشه و هو المهمش ذاتياً و العاجز ذاتياً ، و ممارساً سلطة وهمية على لا شيء عبر تعليب الكتابة في ايطار ميتافيزيقيا مضادة لا تغني و لا تسمن من جوع.

المثقف الذي يكذب على نفسه، معلباً نفسه في ايطار الأبد أو الفراغ الوجودي مستخدماً النكران ك وسيلة للخروج من عبىء مسؤولياته و مرتاحاً ل هامشه ك معذب مازوشي محروم من الدور ذاتياً أيضاً.

هنا من النافلة ذكر ما قاله الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو ( الرجل الثوري هو من يقول لا)

المطلوب من المثقف” هو الصراخ و فلسفة هذا الصراخ ، الرفض” ك أداة تحريض على الخير العام النسبي، و الاتساق الفكري من حركية مجتمعية نامية مطلوب منه التنظير لها، و.تحديد معالمها و استخراج البنى الفكرية لها بغية الدفع بالتطور و إن كان يسير بسرعة السلحفاة” و نقده أي هذا التطور”.

و من هنا ختاماً يمكننا فهم الطبيعة السكونية للمشهد الثقافي السوري الذي تقوده سلفية تتزين بشعارات( التنوير)  ، و تنوّم الحقائق المثبتة عن عجز واضح يختفى خلف أصبع أصبح مكسوراً منذ دهر.