سلاح النفط


آخر تحديث: December 4, 2018, 7:57 pm


أحوال البلاد
بقلم: محمد عايش

يُخطئ من يعتقد أن العرب لا يستخدمون “سلاح النفط”، إنهم يستخدمونه فعلاً بمهارة عالية ويدركون أهميته وخطورته في العالم، لكن المشكلة أنه كباقي أسلحة العرب تُطلق إلى الخلف وليس بالاتجاه الصحيح، فهم يستخدمون النفط سلاحاً ضد أنفسهم ومصالحهم ويستخدمونه في السباق لإرضاء الولايات المتحدة والعالم الغربي.

خلال الأسبوعين الماضيين نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدة تغريدات انتهت بأسعار النفط الى أن تهوي أكثر من 30% كخسائر إجمالية، فانخفض النفط من مستويات الـ80 دولارا إلى نحو 50 دولاراً، بينما ظل المنتجون العرب صامتون أمام تغريدات ترامب، وكان صمتهم يعني بالنسبة للأسواق أنهم يستجيبون فعلاً لأوامره بزيادة الإنتاج، على الرغم من ارتفاع المعروض، ما يعني أن الأسعار تواصل الانهيار.

هبوط أسعار النفط بنسبة 30% يعني أن إيرادات المنتجين من هذه السلعة تتراجع بنحو الثلث، أي أن من يُنتج عشرة ملايين برميل يومياً تراجعت إيراداته بواقع 300 مليون دولار مع كل طلعة شمس، أي أن من ينتج عشرة ملايين برميل يومياً بات يخسر في الشهر الواحد نحو تسعة مليارات دولار.

ولمن لا يعرف ماذا تعني التسعة مليارات دولار، فيمكن تبسيطها بالقول إن ميزانية الأردن كدولة بأكملها تبلغ 13 مليار دولار، وموازنة بلد مثل تونس تبلغ 12 مليار دولار سنوياً، أي أن خسارة شهر واحد لمنتج واحد من سلعة واحدة (وهو النفط) يمكن أن تنفق على بلد عربي بأكمله مثل الأردن أو تونس.. هذا فضلاً عن أن هذه المليارات يمكن أن تنقذ الصومال من المجاعة، وتنقذ اليمن من المرض وتنقذ الأردن من أزمته المالية.. ويمكن أيضاً أن تنفق على “جزر القمر”، وهي دولة عربية مسلمة – لأكثر من 10 سنوات مقبلة. يخسر العرب أموالهم وملياراتهم بسبب تغريدة على “تويتر” يكتبها ترامب قبل نومه، بينما لا يجرؤ أي منهم في اليوم التالي أن يعارضه أو ينفي ما جاء على لسانه ليعيد النفط الى مساره ويحافظ على أسعاره، بما يؤدي للحفاظ على إيرادات دولنا وشعوبنا، والسبب في ذلك أن خسارة المليارات بالنسبة لأي دولة عربية أصبح أهون من خسارة الرضا الأمريكي.. لا بل إنه أهون من خسارة رضا سيد البيت الأبيض الذي يعارضه الأمريكيون أنفسهم بينما لا يجرؤ عربي على معارضته. ولا نستبعد بطبيعة الحال أن ترفع بعض الدول العربية المنتجة للنفط أو كلها إنتاجها خلال الفترة المقبلة استجابة لأوامر ورغبات ترامب، من أجل الإبقاء على أسعار النفط منخفضة، بما يمكّن ترامب من تأمين الوقود لشعبه بأسعار منخفضة، أي بأسعار مدعومة بالأموال العربية الضائعة.. في الوقت الذي تلجأ فيه الدول العربية الى تعويض عجزها المالي وتراجع إيراداتها من جيوب فقرائها بفرض مزيد من الضرائب والرسوم عليهم.

أصبحت المعادلة واضحة إذن، حيث يقوم المنتجون أنفسهم بتبني سياسات تؤدي إلى خفض الأسعار، بما يعني تراجع الإيرادات، ويعوضون هذا التراجع بفرض الضرائب على شعوبهم وتقليص الخدمات المقدمة لهذه الشعوب، وفي المقابل فإن المواطن الأمريكي ينعم بالوقود الرخيص المدعوم من حكومات عربية.. كل هذا في سبيل إرضاء ترامب وتمكينه من مغازلة الناخب الأمريكي. هكذا يستخدم العرب سلاح النفط.. إنه كغيره من الأسلحة التي يستخدمونها ضد شعوبهم لأنها لا تطلق رصاصها إلا إلى الخلف.

 

عن جريدة "القدس العربي" اللندنية