الهولوكوست والحقوق الفلسطينية


آخر تحديث: December 4, 2018, 7:50 pm


أحوال البلاد
بقلم: جواد العناني

تقدم محطة السي إن إن الأميركية مسلسلاً وثائقياً عن ارتفاع نسبة اللاسامية (أو العداء لليهود) داخل أوروبا. وقد قامت المحطة أثناء إنجازها لهذا المسلسل بإجراء عدد من مسوحات الرأي العام في دول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا العظمى طالبة الإجابة عن عدد من الأسئلة مثل "ماذا تعرف عن الهولوكوست"، "هل سمعت به؟"، "كم عدد اليهود الذين قتلوا في معسكرات التعذيب؟ " وغيرها.

وقد تبين أن حوالي (30 %) في المعدل لا يعرفون شيئا عن المحرقة اليهودية التي ارتكبها النازيون أثناء الحرب العالمية الثانية وقبلها. وكانت هنالك نسبة أعلى من الذين تم مسحهم  لم تعرف عدد الضحايا الذين قتلوا في المحرقة. وقد جاءت هذه الحقائق صادمة خاصة للجمعيات اليهودية التي كرست جهوداً كبيرة لإحياء المحرقة، وإقامة المتاحف لها في برلين، وبولندا، وكليفلاند، والقدس الغربية وغيرها. ولا ننسى عدد الأفلام والمسلسلات والقصص والكتب والمذكرات التي نشرت وصنعت لإحيائها. ومع كل هذه الجهود إلا أن ذكراها بدأت تندثر.

ومنذ قيام إسرائيل، بنت الحركة الصهيونية مرجعيتها في تبرير إقامة إسرائيل على ثلاثة محاور تبدأ كلها بحرف الـ (H) باللغة الإنجليزية. وهي التاريخ (History)، والمحرقة (الهولوكوست)، والثالثة هي هوليوود وكل الماكينة الإعلامية الضخمة.

أما التاريخ فهنالك من يقول حتى من المؤرخين الإسرائيليين الجدد أمثال "شلومو ساند" و"آفي شلايم"، أن معظم التاريخ مزور وكتب في نهاية القرن التاسع عشر. ولو قارنا القرآن الكريم لوجدنا فيه تصديقاً أكثر لوجود اليهود في منطقتنا أكثر مما يعترف به هؤلاء المؤرخون. وتحمل الحركة الصهيونية حالياً على هؤلاء المؤرخين، وعلى الكتاب الفلسطينيين ومنظماتهم من أنهم ينكرون التاريخ اليهودي. وحتى لو اعترف هؤلاء ببعض الحقائق عن وجود يهود في فلسطين، فللعرب والفلسطينيين حجج أقوى بكثير من الحجج اليهودية في أنهم هم أصحاب الأرض، والأكثر عيشاً عليها. إضافة إلى أن معظم الذين يسكنون فلسطين من اليهود لا يمتون بعلاقة إلى اليهود الذين أتوا مع النبي موسى عليه السلام من مصر.

وأما الهولوكوست، فنحن لا يجوز لنا أن نقر بأي حال من الأحوال الدموية والقتل البشري الذي مارسه النازيون. ومن الناس من يجادل في صحة أرقام اليهود الذين ماتوا في المحرقة. ولكن هذه ليست القضية. فالفكرة كلها يجب أن نرفضها حضارة وثقافة وديناً مثلما رفضنا فكرة القتل، الذي مارسته عصابات الهاجانا وستيرن وإسرائيل نفسها وما تزال ضد أهلنا في فلسطين، أو مثل الذي مارسته الحركات الإرهابية ضد مسلمين أو يزيديين أو مسيحيين في العراق وسورية وشرق إفريقيا وشمالها وغربها.

ونحن نرفض استخدام الهولوكوست كمبرر خلقي، أو أي مبرر كان لاغتصاب الأرض العربية الفلسطينية، أو التنكيل بالشعب الفلسطيني، أو اللبناني أو فئة أخرى. وإذا كان اليهود عامة لهم قضية ضد أحد فهي ليست ضد العرب والمسلمين، ولا ضد الفلسطينيين، بل ضد من نكل بهم. والعرب براء من المحرقة.

أما هوليود ووسائل الإعلام فهي التي ساهمت في شيطنة العرب والمسلمين بدءاً من الأفلام الصامتة كأفلام "رودلف فلانتينو"، إلى الأفلام الناطقة والملونة وأفلام الموازنات الضخمة التي تصور العرب والمسلمين أعداء للإنسانية، وتصور اليهودي بالضحية وبالإنسانية. وعلى إسرائيل والصهيونية أن تعلم أن حبل كذبها قصير.

وقد صدرت انتقادات كثيرة ضد التطرف والتعنت الإسرائيلي والصهيوني، وضد الايباك وغيرها من منظمات الضغط اليهودية. وكل هذا يدور على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.

لا بد للحركة الصهيونية التي تتباكى تدريجيا على ضياع فرحتها، وتحول تركيا وإيران من أنصار لها قبل أربعة عقود إلى أضداد وأعداء ومنافسين لها، وانتصار العالم كله للموقف الفلسطيني، وتهاوي المركز الأدبي والخلقي لإسرائيل كدولة محكومة من متدينين لا يعترفون بالحق الفلسطيني ودولة عنصرية أبارثادية، من أن العالم الذي نصرهم لأنهم تعرضوا للظلم سينتصر للفلسطينيين وحقوقهم لنفس الأسباب.

نحن ضد أي تطرف نازي، وانتصار اليمين المتطرف في الولايات المتحدة أو أوروبا أو روسيا أو إسرائيل يشكل مصدر تهديد لنا كعرب ولليهود كذلك.

آن الأوان أن تعقل إسرائيل الحقيقة، وتقبل بقرار (242) بحذافيره، وأن ترضى بالعيش الآمن مع العرب في المنطقة، فالرأي العربي وإلى حد ما العالمي يتحول مطالباً بفلسطين من البحر إلى النهر.

 

عن جريدة "الغد" الأردنية