لبنان إلى أين؟


آخر تحديث: November 17, 2018, 9:03 am


أحوال البلاد
بقلم: د. نيفين مسعد

قبل شهر من الآن كانت الآمال قد انتعشت بقرب تشكيل الحكومة اللبنانية، وكان مبرر التفاؤل أنه تم تجاوز مشكلة توزيع الحقائب الوزارية بين الثلاثي: القوات اللبنانية والتيار الوطنى الحر والحزب الاشتراكى التقدمى، أو ما اصطُلِح على تسميته بالعقدتين المسيحية والدرزية. لكن فجأة برزت إلى السطح عقدة أكبر تتعلق بتمسك حزب الله بأن يتم توزير أحد السنة الذين فازوا فى الانتخابات التشريعية ولا ينتمون لتيار المستقبل. جدير بالذكر أن عدد هؤلاء السنة يبلغ 10 نواب، لكن الحديث كله لا يدور إلا عن 6 نواب فقط هم إما أعضاء فى كتلة حزب الله أو يؤيدون خطه السياسى، أما الأربعة الآخرون فهم غير محسوبين لا على تيار المستقبل ولا على حزب الله ومنهم من هو مستقل ومن هو عضو فى تكتل سياسى . ومن جانبه، يرفض سعد الحريرى الذى فاز تياره بـ 20 مقعدا نيابيا أن يتحكم حزب الله فى حصة السنة من الحقائب الوزارية. وفى هذا السياق تحدث حسن نصر الله وسعد الحريرى قبل أيام عن موقفيهما من هذه العقدة السنية بشكل قوى وواضح ولا يطمئن، وهذا المقال محاولة لمناقشة بعض ما جاء فى خطابيهما وتحليل الوضع اللبنانى بشكل عام.

نفى حزب الله نفيا قاطعا أن يكون لإيران أى دور فى إثارة هذه العقدة السنية التى أوقفت تشكيل الحكومة فى اللحظات الأخيرة، وتساءل: أين كانت إيران من التأجيل الذى تسبب فيه تنافس التيار الوطنى الحر مع القوات اللبنانية والحزب التقدمى الاشتراكى طيلة الشهور الخمسة الماضية؟. وإجابة هذا السؤال أن إيران ليست وحدها التى تتدخل وتحاول التأثير على المشهد السياسى اللبنانى، فالسعودية تتدخل والولايات المتحدة وفرنسا تتدخلان والمسألة كلها عبارة عن لعبة شد أطراف بين قوى إقليمية ودولية مهمة. وفيما يخص إيران تحديدا فإن رئيسها حسن روحانى هو الذى قال بكل جرأة فى أكتوبر 2017: أين من الممكن فى العراق وسوريا ولبنان وشمال أفريقيا... اتخاذ قرار حاسم من دون أخذ الموقف الإيرانى فى الاعتبار؟ وروحانى ليس أى أحد، ومن المعلوم للكافة أن النفوذ الإقليمى الإيرانى هو من أبرز نقاط الخلاف بين الولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل من جهة وبين إيران من جهة أخرى.

نأتى لمناقشة مطلب حزب الله تمثيل النواب السنة القريبين منه بوزير واحد فى حكومة الحريرى، وهو مطلب تنقسم بشأنه الآراء، فهناك من يرى أن هؤلاء النواب السنة يتمتعون بشعبية معينة بدليل نجاحهم فى الانتخابات، وأنهم طالما يريدون المشاركة فى الوزارة، وطالما أن كل تكتل سياسى نجح فى الحصول على 4 مقاعد نيابية من حقه التمثيل بوزير واحد فى الحكومة، إذن فإن مطلبهم مشروع وليس من حق سعد الحريرى احتكار تمثيل طائفته. وهناك من يرى أن هؤلاء النواب لا يشكلون تكتلا واحدا بل هم مجرد شخصيات مستقلة التقت إرادتها على دخول الوزارة، وأن معظمهم نجح أساسا بأصوات الشيعة من حزب الله وحركة أمل بمعنى أن الناخب السنى لم يخترهم بالضرورة، وأنهم طالما هم قريبون من التيار السياسى لكل من حسن نصر الله ونبيه برى فليتم اختيار أحدهم ضمن حصة الحزب أو الحركة، وأخيرا يقول أنصار هذا الرأى إنه كما لا يتدخل أحد من خارج الطائفة الشيعية فى تسمية وزرائها فالأمر نفسه ينطبق على الطائفة السنية.

العقدة إذن تبدو هى الأصعب من كل سابقاتها، فماذا عن المستقبل؟ هنا يمكن طرح عدة سيناريوهات، أحدها تنازُل أى من حسن نصر الله أو سعد الحريرى عن موقفه وهذا مستبعد على ضوء التصعيد الأخير بينهما وصولا لقول نصر الله إنه سيدعم حق حلفائه السُنّة فى الوزارة, «سنة واتنين وألف سنة وإلى قيام الساعة» وقول الحريري: أنا بيّ السنة فى لبنان.. السنة طائفة أساسية فى البلد ولا يمكن طغيان أى طائفة عليها. إن نصر الله يعتبر أن تمثيل حركة أمل +حزب الله بـ 6 وزراء فقط أى بالتساوى مع حصة تيار المستقبل ينّم عن التواضع، لأن الثنائى الشيعى فاز بـ 30 مقعدا بينما فاز المستقبل بـ20 مقعدا كما سبق القول، ويصف هذا التواضع فى لبنان بأنه غلط، وكأنه يريد أن يقول إنه سيصحح هذا الغلط وليفهم ذلك كل واحد على طريقته. أما الحريرى فيرى أنه قدم تنازلا حين وافق على وصول ميشيل عون لقصر بعبدا، وهذا التنازل كان من أهم أسباب ضعف شعبيته فى الشارع اللبنانى، وبالتالى فإن قبوله وزيرا سنيا محسوبا على حزب الله يعد انتحارا سياسيا. السيناريو الآخر أن يعتذر الحريرى عن عدم تشكيل الحكومة، وهذا بدوره مستبعد لأنه يعنى أنه حين اصطدم الحريرى بالإرادة السياسية لحزب الله تراجع أمامه وخذل طائفة السنة. السيناريو الثالث أن يقبل رئيس الجمهورية توزير أحد النواب السنة من حصته، وهذا احتمال قائم، لأن الاستقطاب الحاصل بين التيارين الشيعى والسنى يجعل الرئيس فى موقف العاجز عن التأثير فى مجريات الأحداث. السيناريو الرابع أن يتم توسيع الحكومة إلى 32 وزيرا بحيث يضاف وزير من النواب السنة الستة لحصة التكتل الشيعى مقابل زيادة حصة تيار المستقبل بوزير، وهذا أيضا سيناريو قابل للنظر خاصة أن نصر الله نفسه كان قد اقترح زيادة الوزراء باثنين لتمثيل العلويين والسريان فلم لا يتم تطوير الاقتراح للخروج من الأزمة؟

السيناريوهات الأربعة السابقة تنطلق كلها من فرض أن هناك رغبة حقيقية فى تشكيل الحكومة، فإنه ينطلق من فرض أن هناك رغبة فى التعطيل، وهكذا تبقى الحال على ماهى عليه ويظل لبنان دون حكومة لعدة شهور أخرى وهذا ليس جديدا على أى حال. إن سيناريو التعطيل له تكلفته الاقتصادية والسياسية العالية، لكنه أصبح واردا فى الأمد المنظور طالما لم تتلاق إرادات الأطراف الخارجية على أنه قد حان وقت التشكيل، وللخارج تأثيره المعلوم على لبنان.

 

عن جريدة "الأهرام"