حميد لعدايسية: لا أحد ينفي عني حالة الاغتراب في الكتابة


آخر تحديث: November 15, 2018, 6:56 am


أحوال البلاد

 

حميد لعدايسية

مقاربة حميمية:

في رواية ( توفيق الحكيم) (نهر الجنون) نجد الشخص الذي كان يشرب من ذلك النهر كان يصاب “بهلوسة” تجعله يبدو غريبا في نظر المجتمع الذي كان يهزأ منه وينبذه ولكن بمرور الزمن تزايد عدد الشاربين (المجانين) وتناقص عدد (العقلاء). وانقلبت الامور فأصبح  (العقلاء) قلة تعرضت لسخرية الأكثرية (المجنونة) التي كانت تنظر الى هذه الاقلية العاقلة و السوية على انها غريبة الاطوار في كلامها وتصورها وتصرفاتها لذلك يجب نبذها من المجتمع …حتى لم يبقى سوى شخص واحد يرفض ان يشرب من هذا النهر حتى لا يفقد توازنه … فما اقربني من هذه الغربة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم ” فطوبا للغرباء من امتي “.

وغربتي مستمدة من محنة امتي الحضارية التي لا تنوح حمائم الدوح في اغصانها لأنها يابسة بعدما فقدت مضامينها الحضارية، فكانت الحمائم التي تنوح ترمى بالحجارة، ولا يرميها بالحجارة رام تشجيه ألحانها، فهذا الوطن الملحمي  الذي تقاصرت عنه عقول ابنائه ورفضت التفكير في مآلاته الدرامية لان هذه العقول ضللت بشعار مسموم يشبه (نهر الجنون) ثم تركت هذا الوطن بعدما جنت عندما شربت من (نهر الجنون) الذي هو في اسوأ معانيه “جزائر العزة و الكرامة” ، وبعد هذا الترك للوطن بالت عليه الوجوه المستعارة فنبتت فيه شجرة الانتقام و الانكار و الجحود في جمجمته. الا يشدنا اليه انشدادا نتقي به المشأمة ونعرج اليه فوق ملحمتنا التاريخية ؟ فهناك العزة و الاعتزاز ، ومتى ارتوت قوبنا بملحمتنا وسمت ، استطعت مواصلة العروج الى امجادنا وهي امجاد كل ما في هذه من تضليل وتدليس ان ينفي صاحب ” المهمات القدرة” الذي وصف شهداء أمجادنا بأنهم قتلى ، هذا الو صف الذي كان في عاصمة الاحقاد التاريخية و الحضارية ، وهو وصف مخز بالذين كلفوه ، مذلة تاريخية ترددها الاجيال بعد الاجيال.

والسؤال المحير : فهل مازلنا نشعر في هذا الوطن بالسكينة و الاستقرار الذي تروج له الاوقية الطيوانية (préservatif taiwanque ( التي اعد في المصحات الفرنسية.  فإذا وقع تمرد في هذه الكلمات الحزينة التي ألمت بي من جراء تسرب فضائحهم من الاوقية والتي تناقلتها كل وسائل الاعلام الدولية على المباشر من مقبرة العالية وفي مربع الشهداء ، الذي سيتحول الى مربع القتلى على انغام صاحب المهمات القدرة، فإنني اشعر بتهدم رهيب في بنائي الذاتي فأتحسس طريقي وسط خرائب تاريخية ،… حرام علينا ان نرثيها في ظل هذه الملابسات التي ألمت بنا من جراء العصابة التي تسلطت علينا بضعفنا ، والتي يحركها شبح حي لا يظهر الا في المقابر او المأتم … وسميائية الالفاظ السابقة ابلغ من أي تحليل لمن يفقه ذلك او ألقى السمع وهو بصير (مشهد المقبرة يوم اول نوفمبر- والشهداء الذين تحولوا الى قتلى) ؟

فما هذه الكلمات التائهات وسط هذه الخرائب و الشاردات من رعب الوجوه المستعارة التي تفلتت من كل القيم والمدججة بكل الاسلحة، والتي حولت مؤسسات الدولة الى مليشيات تحمي احقادها وانتقامها من هذا الوطن، بالإضافة الى استقوائها بأكبر الاعداء التقليديين تاريخيا وحضاريا ( والشهداء الذين تحولوا الى قتلى) هو لإرضاء الاعداء التقليديين … وبذلك تكون كلماتي وسط هذه الملابسات عبارة عن أسفار تطويني في كفن لم اختره، ولكنه يعضني ويمزق احشائي كلما نويت ان افتح للقلم طريقا منه نستطيع في حرية مطلقة لنعاين الجرائم التاريخية التي احدثت خرائب في القلوب والعقول حتى اصبحت لا تفقه ولا تميز.

غربتي مقاومة واعية:

الكلام الذي يخرج من غربتي يخرج من رحم التشاؤم و الاحباط , ولا يطمع صاحبة في اكثر من احقاق الحق، بعيدا عن التهريج و التجريح الذي يسيء الى الموضوعية في الطرح و التحليل واحقاق الحق عنوان يبدو سهلا في الكتابة و التلفظ ، ولكنه في ازمتنا المتجددة بمثابة مغامرة مكلفة وغير مأمونة العواقب، وهناك بعض الاقلام المأجورة تعزف عن ذلك اعتصاما بالحكمة وايثارا للسلامة ، وشتان بين الثمن الذي يدفعه في هذه الازمة الداعي “احقاق الحق” لكي يخفف من هذا الاختناق وذلك الذي يقيضه المأجورون الى اغماط الحق.

 ومادة ه “الغربة” تدور حول محاور عدة ، وتمثل كلها محاولة للسباحة في بحر المحنة الحضارية التي تبدو في ظاهرها جزائرية لكنها في حقيقتها عربية. اسلامية بإطلاق الارهاب  وتداعياته الى محاولة طمس معالمنا الحضارية عن طريق” صدام الحضارات ” و “نهاية التاريخ” الى الديمقراطية و مستلزماتها أخلاقيا ودستوريا و ” الغربة ” فيها من الحوار الهاديء المتزن بقدر ما فيها من مجرد حديث النفس ، وربما لا تتسم هذه ” الغربة ” بالصراحة المثيرة للفتن وهذا ما اعترف به ، ولا ادعي انني احاول توصيل أي رسالة باقصى حدود “الصراحة” الممكنة التي تأثرت بها بعامل السقوف المتغيرة في اوضاعنا اللاسياسة المطربة تنطعا وتعنتا . ولكن ، وانا اكتب ” غربتي” اتذكر لطه حسين قولته المشهورة :  “انا قلق دائما، ساخط دائما ، مثير للسخرية من حولي”اتذكر دائما هذا القول لانه يرسم لي كما ارى صورة المفكر الوطني الاصيل خصوصا في هذه الملابسات التي تزداد سوأ، فمن اهم الدلائل على اصالة الفكر القلق اعني ذللك الجمر في نفس المفكر، الجمر الذي يلتهب ويشب متجها الى الامام ، يتجاوز الطروحات المبتذلة المبنية على حسابات آنية ضيقة ويحتضن عمق الازمة تحليلا وشرحا وتشريحا وطرحا متحليا في ذلك بالموضوعية الاجتهادية ، مبتعدا عن الاحكام القيمية وتبقى الوقائع ودلالاتها .

انني غريب صغير في مساحة ضاقت بي يفترض باني لا ابالي ب”الخراب الاكبر”  الذي اتسعت له الجغرافيا وقطع من اجله اللسان لكي لا يندد به وتحول فيه الشهداء الى قتلى او ان شئت جيفا ارضاء لفرنسا التاريخية ، او يفترض فيا على الاقل اذا تحدثت عن خرابهم ان اكون مؤدبا  وان لا اكون وقحا الى المدى الذي يجعلني اتجاسر على ان اكون ناقدا له أي ” الخراب الاكبر” ، محاولا التقليل من مساحته… وهكذا. فأقسى العذاب ان تهب عقلا محتجا في اوساط غير محتجة ، او ان يتسلل الى غربتك الصغيرة وثن كريه لا تستطيع تحمل وثنيه ولا تستطيع التخلص من مواجهته ، على هذا النحو اقرأ بغربتي النقدية التفكيكية علاقتي بأوضاعنا المهترئة ، بحيث ارى الوجه الاخر او الجانب التضليلي او البعد غير المرئي من الدهماء من الناس و المغرر بهم.

هلموا الى لحظة صفاء نتنفس في اجوائها من وقت الى آخر لنستعيد توازننا ونعوض بعض ما فقدناه في قراءات الاوضاع المرعبة و المجهدة فنضع ايدينا على قلوبنا خشية ان تنهار، بعدما كان وطننا مؤنسا واعدا مليئا بالاطياف والاحلام اذ به ينقلب الى وطن موحش يخيب الآمال ولا بضاعة له غير الحرقة و قمع الحريات وتبديد الاموال و الموت و العدم ، والتواطئ مع اعداء البارحة “لكي لا اقول كلاما آخر”.

نحن هنا امام ظواهر تعادي العقل وما علينا سوى تأكيد هذا العقل وكما ان النجاح يولد النجاح و القمع يستقطب القمع فكذلك الفشل لا يولد الى الفشل و الانهيار لا يؤدي الا الى مزيد من الانهار هكذا يقول التاريخ هكذا تروي الملابسات التاريخية هكذا تؤكد “محنة الجزائر مقبرة العالية كنموذج موضوعي في اول نوفمبر … الشهداء الذين تحولوا الى قتلى” ومظاهر المخازي و الخيانات التاريخية لا تستوعبه الالفاظ ولا تتسع له صدر الصفحات.

ولكن العصابة التي سوقتها فرنسا من “…” لم تستوعب تاريخا ولم تصنع حدثا ابيا جليلا محترما ستبقى عاجزة وعجزها  مشهور في كل القنوات العالمية وستبقى على حالها تردد في مكر ويأس ومرارة و دهول ” نحن الغرقى فما خوفنا من البلل”