نزار حسين راشد: وين كُنا ووين صرنا” حكاية من قرية فلسطينية


آخر تحديث: November 9, 2018, 4:21 pm


أحوال البلاد

 

نزار حسين راشد

في تلك القرية، لم يكن هناك أي مركز طبّي،ولا حتّى مستوصف،ولا واسطة نقل،واضطررنا أن نضع الطفل المصاب بالحمّى على ظهر حمار،ساقه ابن خالتي بالعصا،حتّى بلغنا دير الراهبات،لم يكن ابن خالتي على يقين،من وجود أي إمكانيّات،في دير الراهبات،ولكنّه قدّر أنّ الراهبات،لا بُدّ أن يحتفظن ببعض العلاجات،للحالات الطارئة ولاستعمالهنّ الخاص،كنت أضطرّ لإسناد الطفل المُترنّح بيدي،حتّى لا يسقط عن ظهر الحمار،ولعبتُ دور المرافق بنجاح،تحسّست جبينه براحة يدي،كان يشتعل ناراً،وقدّرت أنّه ربّما لن يعيش حتّى الصّباح،ولكنّني احتفظت بأفكاري لنفسي،حتّى لا تصاب أمّه بالرّعب،وحين بلغنا باب الدّيْر،استقبلتنا إحدى الراهبات بجفاء،وقد ساءني ذلك،ولكنّي كظمت غيظي أيضاً،حتّى لا يمتنعن عن مساعدتنا،تحدّث إليها ابن خالتي برفق،وكان هادئاً بطبعه،اختفت الرّاهبة لبضع دقائق داخل الدير،وعادت وفي كفها بضع حبّات،قالت بعربيّة مكسّرة:

-أعطوه حبّتين هذه الليلة،وحبّتين في الصّباح.

عادت الراهبة من حيث أتت،وتركتنا كما كُنّا،إلّا من الحبيبات البيضاء،الّتي تكرّمت بها علينا..ظننتُ انّنا سنقفل عائدين،ولكنّ ابن خالتي طلب مساعدته في إنزال الطفل،فحملناه وأسندنا ظهره إلى جذع شجرة،على جانب الطريق،بناءً على توجيهات ابن خالتي..أخرج ابن خالتي قربة ماء من “الخرج “وهو حقيبة بكيسين توضع على ظهر الحمار،وتناول حبّة دسّها في فم الطفل حريصاً على أن يوصلها إلى حلقه،ثمّ فتح فم القربة،ووضع فمها بين شفتي الطفل طالباً إليه أن يفتح فمه،ثمّ سكب الماء برفقٍ ورويّة،وسأله هل ابتلعها؟فهزّ الطفل رأسه أن:نعم،وهكذا فعل بالحبّة الأخرى!ثمّ أخرج قطعة قماش وطواها عدّة طيّات،ثُمّ أغرقها بالماء،وألصقها على جبين الطفل،وشدّها بخيط،ثًمّ أعدنا إركاب الطفل،على ظهر الحمار،وقفلنا راجعين إلى القرية!

وحين وصلنا البيت،وضعنا الطفل في فراشه،وتحسّس ابن خالتي جبينه هذه المرّة وأعلن:

-حرارته خفّت..الحمدلله!

وردّت أمّه بصوتٍ كسير:

-والله قطّع قلبي،خفت عليه كثيراً!

استحوذ عليّ شعورٌ بالغبطة،كوني شريكاً كاملاً،لابن خالتي ،في هذه المهمّة الجليلة!وقبل أن نغادر، طلب ابن خالتي لأمّه أن تستبدل قطعة القماش المبللة على جبينه كل نصف ساعة،ولم يرق هذا لجدّته،الّتي وجّهت الأم بصرامة:

-لا تسمعي كلامهم،اكمريه بلحافين حتّى يعرق!ورفع ابن خالتي حاجبيه للأم محذراً أن تسمع كلام الجدّة!

في الصّباح قال خالي:

-سنذهب به إلى القدس ،لا بُدّ أن يراه الطبيب،ونقلناه ببك أب أبي محمود،الّذي ينقل سلع القرويين من خضار وفواكه إلى القدس لبيعها،مقابل أجرة محدّدة!

عادوا ومعهم أكياس من الدواء،وقالت أمّه إن الطبيب أعطاه حقنة،وشفي الطفل بعد عدّة أيّام،إلّا أنّ أحداً لم يذكر نوع مرضه،ونسي الجميع الحادثة بعد ذلك!