التنوع والدلالة على جدار التشكيلي العراقي أجود العزاوي


آخر تحديث: November 9, 2018, 4:19 pm


أحوال البلاد

 

الجدار والتنـــوع

لعل أهم ما في مفهوم الجدار، الذي نحاول أن نقعّده ضمن تحولات الفنانين الإبداعية، كوننا ننظر إلى الجدار من باب ظاهرة التكيف والكشف، التي تخلقها الممارسة الفنية، المرتكزة على النظرة الفاحصة لوظيفة الجدار، باعتباره حافظا لرؤى الإنسان منذ النشأة الأولى للوجود، حيث أخضع الإنسان بجهده المدعوم بالعقل إلى تطويع مكونات جداره، ملتفتاً إلى موجودات البيئة، لتكون مادته في التعبير.
من هذا نصل إلى حاصل تحصيل، كون الجدار عبر الأزمنة خضع لتحولات تصب في ذات الوظيفة المركزية، التي تمثلت في اللوحة كسطح يمتد أفقياً وعمودياً، بما يؤهله لتوفير مساحة يمكن التحرك من خلالها، بل البدء من صيرورته البنيوية باتجاه طُرسية الجدار. كما أننا وعبر دراساتنا تحت هذا المسمى، ساعدتنا على تحول نظرتنا، من خلال إخضاعها للتنوع الحاصل على الجدار. وأرى أن هذا يُدعم تصوراتنا في ما نشكله من جهد قرائي مبني على جهد فني إبداعي خالص، ونقصد به نتاج الفنان عبر الكيفية التي حصلت جراء تكييف وظيفة الجدار.
الفنان أجود العزاوي، واحد ممن استثمر الجدار، ليشكل منه خاصية جديدة، لا تبتعد عن جهود الفنانين الآخرين، سوى في تأمله ودراسة قدرته على استيعاب مشغوليات كل من (الذاكرة القريبة والبعيدة، الميثيولجيات المتأتية من وقائع تاريخية، دلالات الألوان، العُليات ودلالاتها الأسطورية، طواعية الحرف العربي لتنفيذ ما هو متحرك في ذهن الإنسان) إلى غير هذا، الذي ستُسفر عنه القراءة البصرية للوحات الفنان.


ما نراه على جدار ــ لوحة ــ الفنان، كونها لا تخضع لنمطية الخط واللون وحراك الذاكرة، وإنما تتوفر على مساحة مكونة من كل هذه التشكيلات التي هي تشكلات مكررة على السطح، لكن ما يُلغي صفة التكرار ـ النسخ ـ هي الممارسة في خلق العلاقات الجديدة ضمن منظومة أكثر اتساعاً، فالحرف والعبارة والخط ورقع الألوان والأشكال الهندسية، تُهيئ للرائي فرصة الدخول إلى التنوع المثير للجدل. فالتنوع هنا يختزن رؤى قادرة على استنهاض رؤى أخرى. وهنا تكمن جدلية محتوى جدار الفنان أجود، في كونه يحوز جدارا معتنى بسطحه، يُثير شكله وحراكه الذاتي والموضوعي، حراكاً آخر ينبثق من رحم دلالات الحروف المتعاشقة مع الألوان، التي استثمرت خاصية ليونة الحرف العربي ومسيل جسده، سواء كان هذا في شكله الظاهر، أو في عمق الدلالة، حين يُحيل كل حرف إلى متن مقدس، أو يحاول النهوض من صلب واقعة مسرودة بكيفيات ذاتية عميقة.

اللوحة بين الخط والرسم

النظرة الأولى للوحة الفنان، قد تدفع الفرز إلى اعتبارها لوحة خط استفادت من الرسم لتشكيل معمار الرقعة الخطية. وهو ما يذهب إليه الخطاطون الذين يعملون على تزويق خطهم وتزويق وزخرفة المساحة الحاضنة للنوع. ولهذا اتخذت الأشكال والهيئات، كما هي هيئة جسد الطير والشجر وغيرها لتكون مساحة لتلبية حاجة الحرف للدلالة. لكن في حالة توسيع النظرة للوحة الفنان أجود تستوقفنا البنى المستدعية للحرف، وليس العكس. بمعنى نرى الاستجابة تنطلق من اللوحة باتجاه مكوناتها، وهي الحروف والعبارات العرفانية والمقدس، كالآيات من سور القرآن وعبارات الأولياء والصالحين والحِكَم. غير أن ما يملي علينا مثل هذه القراءة هو طبيعة اللوحة القادرة على استيعاب مساحة الحرف الدلالية، وشكله المرن وتشكلاته الأفقية، خاصة التي تُضاف إلى تشكلاته العمودية. فالحرف العربي من المرونة بحيث تساير الفنان في أشد الحالات المراد التعبير عنها كما سنرى في مجريات قراءتنا. إن مرونة الحرف كبنية خطية، ساهمت في خلق بنية تشكيلية، مقابل قدرة الفنان على التخيل دفعته إلى مغادرة موقع الحرف، باعتباره خطاً نحو دلالته المستثمرة على السطح. وبهذا حقق الفنان درجة من هذا التوظيف الذي عمل عليه معظم الفنانين، خاصة شاكر حسن آل سعيد حيث كان توظيف الحرف لا يبتعد بالكلية المطلقة من حروفية الفنان أجود، غير أنه اختلف عنه في الكيفية. فحرف آل سعيد عرفاني خالص، بينما حرف أجود عامل مُعين لمحتوى اللوحة. ويمكن اعتباره كلاً بنيوياً للعمل.
الحرف هنا يعمل على تشكيل بنية موضوعية وشكلية، أي أن اجتماع الحروف والعبارات المستلة من متون عرفانية، تعمل على تشكيل تكوينات عامة، هي محض بؤر من تاريخ طويل من التبادل المعرفي المنبثق من المتن التاريخي. أجود كفنان يعمل على تجديد محتويات جداره، ونخص بتعيين منها عنايته بالحرف من أجل وضعه موضع استيعاب الشاغل الذهني المتأتي من الشاغل المعرفي، والحس الصوفي. فلغة اللوحة الحروفية أنتجت بنية تكوينية نستطيع إحالتها إلى التاريخ. الحرف في لوحاته مستقل ومكتف بذاته في تشكيل معمار اللوحة البنيوي. وهذا ما خلصه من مطب لوحة الخط العربي وتزويق الخطاطين لجدار خطوطهم. الفن هنا مكتف بذاته، واستدعاء الحرف عامل مساهم في تشكيل البنية العامة والمركزية في النص البصري.

الحرف والإيقاع

ليس جديداً استثمار الحرف العربي كما هو معروف، لكن الجديد الذي يرتبط بجديد آخر، هو الإيقاع الذي عليه الحرف، فالحرف العربي إضافة إلى جماليته البصرية، فإنه يمتلك جمالية صوتية ـ بوليفونية ـ أيضاً. وهذا ما نراه عبر تشكيلات الحرف كبنية مركزية داخل اللوحة، وليس ذا بُعد تزويقي. إن تشكله كبنية ساهم في تجدد مفهوم وجوده، خاصة كما ذكرنا وجود إيقاعه الذي اعتمد التنوع أيضاً، فالحرف ممتد أفقياً ضمن سمفونية لونية. وهذا الامتداد نراه أكثر قدرة على بث الصوت بصمت صائت ضمن مكونات السطح، بمعنى تحرك الكل الذي دائماً ما يكون على شكل تقعر يرتكز على قاعدة، تتخلله وتحيطه أجزاء، هي ليست منمنمات لونية وخطية، بقدر ما هي جزئيات مكملة للمعنى، فلا شكل بدون معنى. ومعنى المعنى في لوحات أجود البُعد التاريخي، أي نغمية الإيقاع التاريخي بأحداثه ومسمياته المعبرة عن ذات تاريخية حافظ الإنسان على وجودها كذاكرة، يُفعّلها عبر الأزمنة. والفنان هنا فعّل الوقائع بروح وذات إيقاعية، ساهمت كسمفونية بصرية اجتمعت كل عناصر التعبير فيها (الأجزاء والكليات) من أجل تقديم نموذج لفن يَستعير من الفنون الأخرى.

جاسم عاصي/ كاتب عراقي