الحب في الأزمنة السائلة


آخر تحديث: November 9, 2018, 4:18 pm


أحوال البلاد

 

أحدثت حالة ما بعد الحداثة انقلاباً كبيراً في المجتمعات الحديثة، لمّا حطمت المراكز الصلبة، وجعلت كلّ شيء سائلا، فحلت الفردانية والاستهلاكية محل المواطنة، وصارت العلاقات سهلة الدخول والخروج، وأصبحت الروابط الإنسانية خفيفة وهشّة، كما يعبّر عن ذلك زيجمونت باومان في سلسلة السوائل، التي فكّك فيها عالم ما بعد الحداثة، ولعل الحب من الموضوعات التي تأثرت بشكل كبير بالأفكار الجديدة، لأنه متعلق بالإنسان مباشرة، إذ لم يعد الحب من العلاقات التي تستحق التضحية والإيثار، بحيث انقضى عهد الحب الرومانسي القائم على مقولة «تعاهدنا على ألا يفرقنا إلا الموت»، فبمجرد ما يدخل الناس في علاقة، تجدهم يساورهم قلق وخوف منها، من أجل ذلك تجدهم يبحثون عن الطرق الكفيلة للخروج منها، ولهذا استبدلت المقولة الأولى التي أشرنا إليها آنفا بشعار يقول: «سنرى كيف تجري الأمور، سنرى كيف تجري الأمور».

الحب والموت

يبدأ بومان كتابه بذكر سمات كل من الحب والموت، لافتاً النظر إلى أنهما، في واقع الأمر، حدثان مختلفان إلا أن اختلافهما هذا لم يمنع من التقائهما في العديد من السمات، فكلاهما لا يمكن دخولهما مرتين، لأنهما يمثلان «البداية والنهاية، ومن ثم، يرفضان البدايات والنهايات الأخرى كافة ويتجاهلانها»، كما أنه لا يوجد تاريخ خاص بالحب ولا بالموت، فهما بحسب باومان «أحداث في الزمن البشري، وكل واحد منهما يمثل حدثاً منفصلا، لا يرتبط بأي حال بأحداث أخرى مشابهة»، بالإضافة إلى ذلك لا يمكن، في مطلق الأحوال، تعلم الحب، ولا تعلم الموت، لأن كليهما، في حقيقة الأمر، حدث طارئ ومفاجئ.

الحب الرومانتيكي والحب الاستهلاكي

ينتقل باومان بعد ذلك إلى بيان أوجه التباين بين الحب الرومانتيكي والحب الاستهلاكي، مقراً في الوقت ذاته بنهاية الحب الرومانتيكي القائم على مقولات من قبيل «معا إلى الأبد» و»تعاهدنا على ألا يفرقنا إلا الموت»، ولعل ذلك راجع، في الأساس، إلى التفكّك الجذري الذي أصاب «أبنية القرابة التي كانت تدعمه، وكان يستمد منه قوته وحيويته وأهميته الخاصة «، ما يؤدي في الأخير، والحال هذه، إلى «تسهيل الاختبارات التي لا بد من اجتيازها كي تسمى حباً، فبدلا من أن يحقق الناس مستويات عالية من الحب، صاروا يخفضون مستوياته»، فاتسع نطاق التجارب التي يطلق عليها حباً، مع أن الحب منها براء، لأنها في الحقيقة لا تحقق أهداف الحب، ولا غاياته السامية.

من ثم، وقع الناس، بحسب باومان، في أوهام من قبيل أنه يمكن تعلم الحب، ومعرفة كنهه وأسراره، من خلال كثرة التجارب التي يخوضونها، فيكتسبون خبرة ومهارة، هذا الوهم ناتج عن النظر إلى الحب باعتباره علاقة مؤقتة وقصيرة، لا باعتباره علاقة دائمة، تتطلب التواضع والشجاعة والإيمان والانضباط، في هذا الصدد يقول باومان: «المعرفة التي يزداد معدلها كلما زاد عدد تجارب الحب، إنما هي معرفة بالحب بوصفها أحداثاً منفصلة وحادة وقصيرة وصادمة، يخوضها المرء بوعي مسبق بهشاشتها وزوالها، فالمهارات المكتسبة، إنما هي مهارات إنهائها السريع للعلاقات، والبدء من جديد». إن السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى الثقافة الاستهلاكية المتنامية بشكل كبير، ثقافة لا تؤمن بالمعاني الحقيقة والسامية للحب، بل تنظر إليه كسلعة يمكن استبدالها بسهولة، ثقافة «تفضل المنتجات الجاهزة للاستخدام الفوري، والاستعمال السريع، والإشباع اللحظي، والنتائج التي لا تحتاج إلى جهد طويل، والوصفات السهلة والمضمونة»، بالتالي، يخلص باومان إلى نتيجة مفادها «أن الوعد بتعلم فن الحب إنما هو وعد بتحويل تجربة الحب إلى ما يشبه السلع الأخرى».

الحب والرغبة

مع أن الحب والرغبة يتشابهان في الكثير من الأمور، لأنهما، كما يرى بومان، «شقيقان»، «وأحيانا يولدان توأمين»، إلا أن بينهما اختلافات، تتجلى في أن الرغبة «اشتهاء للاستهلاك، اشتهاء للإشباع والالتهام والابتلاع، إنها اشتهاء للتدمير»، ومردُّ ذلك أن الرغبة لا تحتاج إلى حافز، فهي تولّد الحافز، وتصنع الباعث من ذاتها، ما يجعلها عرضة للتدمير الذاتي، من ثم، فالرغبة « منذ ميلادها مصابة بعدوى اشتهاء الموت».
أما الحب، على العكس من ذلك، فهو التوق إلى تحقيق الرعاية والحماية، والحفاظ على موضوع الرعاية، بالسعي إلى تجاوز مركزية الذات وهامشية الآخر، وجعلهما واحداً، أنا أنت وأنت أنا، لأن الحب «قوة تتمدد وتتجاوز وتبسط يدها لما هو خارجها»، يسعى إلى بقاء الذات عبر آخرية الذات، وعليه يعتبر الحب إضافة إلى هذا العالم، يبتغي التملك، ويعمل على إدامة موضوعه وبقائه، لأن الحب بطبيعته «شبكة تنسج من أجل الأبدية» بالقبول بتحمل الأعباء والتغلب على الصعاب. إن معضلة الحب في الأزمنة السائلة وليدة الثقافة الاستهلاكية الطاغية، التي جعلت من علاقات الحب علاقة تجارية، أو بمعنى آخر غدت شكلا من أشكال الاستثمار، إذ أنها تنظر إلى الارتباط كحالة من الإزعاج، وعدم اليقين المستمر، فوعود الارتباط، كما يقول باومان، «لا معنى لها على المدى الطويل».
ثم ينتقل باومان بعد ذلك إلى تحديد أسباب فشل الحب، ويرجعه في الغالب إلى «فشل التواصل»، ذلك أن التواصل لا يتحقق إلا بقمع الآخرية المزعجة، فتندمج الأنا في الآخر، ويصبح الاثنان واحداً، أو بعبارة أخرى، «يصبح الحبيب جزءاً من المحب بحيث لا يمكن فصله عنه»، ويعود سبب الفشل إلى موضوع الاتصال في حد ذاته، الذي ينحصر في محاولة الإرضاء المتبادل، بدون التطرق إلى الموضوعات المهمة، بغية أن تبقى العلاقة جيدة لا يسودها خلاف أو توتر، أما السبب الآخر، فيتمثل في الرغبة في تغيير الآخر بطريقة قاسية، بدون أن تترك مجالا للحوار، ولا البحث عن المشترك، ولا حتى منح المستقبل فرصة، لأنه كفيل بالتغيير لا محالة، لأن على المحبين أن يدركا «أن التغيير مقبل»، وعليهما أن يستقبلاه «بالترحاب»، ويجهزا نفسيهما للتغلب على الصعاب، والقفز «في بحار لا يألفانها، ففرصة انفتاحهما على مغامرة المجهول أعظم إغواءات الحب».

الاقات الجيب العلوي والزواج والجنس

إنسان العصر الحديث يأنف العلاقات الجادة والدائمة، لأنه ينظر إلى مثل هذه العلاقات كعبء من الصعب تحمله، والصبر على مسؤولياته، بالتالي، فهو يريد تشكيل علاقات سطحية، سهلة الاستبدال كقطع الغيار، إذا انتهت صلاحيتها، فالسوق كفيل بغيرها، لذا ظهرت علاقات حب جديدة تتماشى وتطورات العصر، من بينها «علاقات الجيب العلوي»، ومعناها «أن المرء يحتفظ بها، أي العلاقة، في جيبه، بحيث يمكنه إخراجها بسهولة متى أراد»، وتتميز هذه العلاقات بكونها «عذبة وعابرة»،  لأنها متعلقة أساساً باللحظة المعاشة، لحظة منقطعة عن الماضي، ولا ترتبط بأي أشواق مستقبلية، بمعنى آخر، هي تعبير عن المعنى الحقيقي «للاستهلاك اللحظي، والتخلص الفوري من النفايات». على ضوء هذا، لم يعد الزواج يغري الإنسان المعاصر، لأن الزواج، كما هو معروف، رباط مقدس والتزام ومسؤولية، بينما هذا الإنسان يمقت الارتباط، ويكره تحمل المسؤوليات، ويهوى العلاقات السريعة والقصيرة، لذا استبدله بـ»المعاشرة الجنسية» بدون زواج، لأن «مقاصدها متواضعة، ولا تؤخذ فيها المواثيق ولا العقود»، كما «أن المرء لا يطلب من هذه العلاقة إلا القليل، ولا يحصل منها إلا على القليل»، بالإضافة إلى ذلك، فهذه العلاقة متعلقة بالأسباب لا بالمقاصد الكبرى، ولا بالمعاني السامية.
إن انتشار مثل هذه العلاقات، التي لا تستهدف إلا اللذة، ولا تقصد سوى المتعة، قد أدى إلى ظهور مشكلات اجتماعية كبرى، لعل أبرزها نهاية «عهد المصاهرة التقليدية»، ما جعل علاقات القرابة تتسم بالضعف والهشاشة، بحيث أدى، والحال هذه، إلى استبدال «الهوية المشتركة» القائمة على مراكز صلبة، بـ»المصالح المشتركة» التي تقوم على المصلحة في الدرجة الأولى، من ثم، افتقدت الهوية إلى فكرة الإخاء والقرابة، فأدى في الأخير إلى «تفاقم تفكّك الروابط والعلاقات».
بعد ذلك ينتقل باومان إلى الحديث عن تحرير الجنس من مقاصده العليا ومعانيه السامية، بعبارة أخرى، تخليصه من الأعباء الزائدة، التي تثقل كاهل الإنسان، وبذلك تحوّل إلى «حدث فيسولوجي في الجسد»، أي أنه عملية لا تثير إلا متعة ولذة جنسية، وهناك فرق جليٌّ بين الجنس عندما يكون مرتبطاً بالحب والأمن والاستقرار والخلود، بإنجاب الذرية، والجنس كحدث لإشباع الغريزة بالملذات، ذلك أن العقل الحديث السائل يساوره قلق من العلاقات الدائمة، ويراها ظلماً، ويرى في الالتزامات المتينة عبودية، فهو عقل بحسب باومان «ينكر الحق في الالتزام والارتباط، المكاني أو الزماني، فلا حاجة ولا منفعة لهما يمكن للعقلانية الحديثة أن تبررهما».

أحبب جارك كما تحب نفسك

وعليه، فإن طغيان النمط الاستهلاكي، وما انجر عنه من نتائج مأساوية، كحب الذات واستفحال الأنانية، جعل تلك القيم التي تدعو إلى حب الآخر من قبيل المثاليات، هنا يتوقف باومان عند الوصية التي تقول: «أحبب جارك، كما تحب نفسك»، بالتحليل والنقد، بحيث يرى أن حب الجار هو سلوك سامٍ يخالف الطبيعة الإنسانية، إذ يعد العمل بهذا الأمر الإلهي قفزة إيمانية كبرى، يكسر الإنسان من خلالها «القفص الحديدي الذي تمثله الرغبات والدوافع والنزعات الطبيعية»، كما أن الامتثال إلى هذه الوصية، بحسب باومان، بمثابة ميلاد جديد للإنسانية، ذلك أن حب الجار مثلما نحب أنفسنا، سيعني بالضرورة احترامه والاعتراف به، ككيان إنساني، يستحق العيش والسكنى معنا في هذا العالم، هكذا، يؤسس باومان لحب الآخر، الغريب والمختلف، ومن شأن ذلك، تقويض السرديات التي تدعو إلى الكراهية والصدام.

سعدون يخلف/ كاتب جزائري