«في النبض قلاع مهجورة» لزهرة الخصخوصي: الكتابة ضد النسيان


آخر تحديث: November 9, 2018, 4:17 pm


أحوال البلاد

 

■ يلوح عنوان هذه المجموعة القصصية للتونسية زهرة الخصخوصي باعتباره خطابا واصفا في منطقة ما قبل القراءة بهتك حواجز النسيان ودك حصونه. فهو يجعلنا ننتظر كتابة ضد النسيان تحاول عدم تجاوز ما ترسب في القلب من أوجاع، وما تكرس في أعماق الذات. فقصص المجموعة ملتحفة بالذاكرة وبأوجاع فضاء مهمش، وبخيبات جيل من الشباب.
ولعلنا نقارب هذه المجموعة من زاوية سوسيولوجية ونتعامل معها باعتبارها نصا يمتص واقعا اجتماعيا، على حد تعبير زيما في طرحه لسوسيولوجيا النص الروائي، وهي مقاربة تلقي بظلالها في حقيقة الأمر على مختلف الأنواع السردية. يدفغنا نحو هذه الوجهة، تقاطع الظواهر والنماذج الاجتماعية في هذه القصص، وتقاطع القصص بدورها مع المجتمع الذي يعد مرجعها وبنيتها الكبرى.

قصص المجموعة تنغرس في التربة الاجتماعية المحلية وتتغذى من المحتمل، أو «ما يمكن وقوعه» وهي تتقاطع بدورها وتتشابه بعض مكوناتها السردية، وهي تحمل بين طياتها نزعة مجابهة النسيان. وهو ما يمكن تبنيه انطلاقا من مداخل مختلفة، وقد اخترنا عنصر الفضاء وسلكناه مدخلا لتبين أوجه هذه المجابهة. ولعلنا في ذلك نستند إلى ثراء الفضاء وتجاوز الدراسات الحديثة حصره في الوظيفتين التأطيرية والوصفية، واعتباره حاملا لدلالات ومعان كثيرة، فهو على حد تعبير حسن نجمي يدرس «كوعي عميق بالكتابة جماليا وتكوينيا، الفضاء كشكل ومعنى، الفضاء كذاكرة وهوية ووجود، الفضاء كمنوال إشكالي ملتصق بوعينا» (شعرية الفضاء المتخيل والهوية في الرواية العربية الدار البيضاء المركز الثقافي العربي). فكتابة الفضاء وتخيله لا تخلو من استراتيجية ونوايا تضمر غايات جمالية وأيديولوجية.
فكيف تجعل زهرة الخصخوصي الفضاء القصصي مجابها النسيان وممتصا لما علق في القلب من ذاكرة وأوجاع وخيبات؟

أنثروبولوجيا الفضاء:

تدور أغلب قصص هذه المجموعة في فضاء الهامش التنموي التونسي، وهو الفضاء الذي يسوده شعور عميق بالغبن والإهمال والغضب من دولة الاستقلال. فأغلب القصص تدور في قرى جنوبية ريفية، وفي بيوت وغرف فقيرة وتقليدية. وهذا الأمر ليس من باب المصادفة فهو انعكاس أنثروبولوجي وسيرذاتي، باعتباره يلتقي ويتواشج مع ما يعتبره بلاشير الفضاء المعيشي الأمومي، فالكاتبة تنتمي بدورها إلى الداخل التونسي، ما جعل كتابتها تنهل من بيئته وتضخ مصطلحاته وعاداته في نصها السردي فيصبح الفضاء كتابة لأنثروبولوجيا المكان وتوظيفا لنمط الحياة فيه واستعادة لتفاصيله، فالشتاء «يعوي في صقيع هذه القرية الصحراوية» ومريم «ارتضعت عسل تمرها في حليب أمها واصطبغ كفاها وشعرها بحنائها…» وهي تتمتم «أنا سليلة هذه الصحراء ابنة الجريد المتجمد شتاء الملتهب صيفا ليجود بألذ التمور وأطيب ملوخية» (قصة ليتها فكت ضفيرتها)، ففي هذه المقاطع حرص على ضخ خصوصيات المكان وعاداته في السرد من ذلك الطابع الصحراوي والتمر والحناء وأكلة الملوخية. ولا يغيب هذا الأسلوب عن قصص أخرى يحضر فيها الأنثروبولوجي مجسدا في استعادة الحكايات التراثية مثل العنقاء، أو الأمثال والتعابير الشعبية مثل «ختمت يا بن عروس» أو «وكرك وكرك وأن كان عودا يابسا». فالكاتبة تكتب في هذا المجال كتابة ضد نسيان الهوية والذات، وتحتفي بالتراث المحلي. ولكن كتابة المكان تتحول في المستوى الموالي إلى كتابة لقرى النسيان في واقعها التنموي والاجتماعي.

كتابة الأماكن المنسية:

تتواتر في المجموعة كتابة الفضاء، باعتبارها كتابة لحياة الهامش التنموي بصعوباتها وآهاتها، فتبرز القرى البدوية المشبعة بإحساس النسيان «خلف ذي التلال الجبلية قرية منسية تناثرت بيوتها قرميدية السطوح ترتجف قرا « (قصة للأقدار دروب). تلك الأماكن التي تجابه الحياة الصعبة ببداوتها: «مداخن الفحم تمد رؤوسا نحو السماء تتحدى صقيع شتائها المقبل» (الناي تثقله الأسرار). ولعل الكاتبة تعمق اتجاه الفضاء نحو الهامش وتمركزه في فضاء المعاناة، فتجري الأحداث في الغرف الجبلية والأكواخ وتصبح رسما لحياة الخصاصة، من ذلك بيت خليل في قصة العنقاء: «بيت من غرفة واحدة يمتد في جوف الجبل وانتظار بحجم مدن الملح البعيدة، التي يسافر إليها خليل كل أسبوع محملا بالتبغ إلى عمال الموانئ، ليعود مثقلة جراباته بقطع النحاس الصغيرة».
هذه الفضاءات تلفت الانتباه إلى الحياة المنسية بعيدا عن البهرج والزخرفة، ولكن دراسة الفضاء لا تكتمل ولا تتضح إلا ببحث عوالم شخصياتها ومصائرهم. وهو ما يحيلنا على عوالم الشخصيات.

كتابة الخيبات أو ذاكرة جيل:

تغلب على الشخصيات القصصية الرئيسية حالة الخيبة، فهي تنتقل من الحلم إلى الانكسار… ولعل النموذج الذي تردد أكثر هو نموذج الشخصيات الحالمة والمجتهدة، وهي تحقق النجاح الدراسي، ثم تصطدم بخيبة الحياة وواقع المجتمع… فهي تنتقل من النجاح العلمي إلى الخيبة الحياتية، مثل مريم وقد عادت بشهادة علمية أجنبية: «لقد افلت أيام امريكا ضامة أشرعة طرقاتها المندسة في مخمل الثلج ومسدلة على المدافئ المستعرة شوقا إلى حمى وصال الشتاء أماه، أم نسيت أني تخرجت في جامعتها منذ عامين وارتميت في حضن قريتنا هذه من جديد يدفعني شوق واغتراب».
تثير العديد من قصص المجموعة هذه القضية الاجتماعية التي يشهدها المجتمع التونسي، وتنقل معاناة هذه الأجيال التي لم تقدم لها شهاداتها العلمية حياة كريمة، بل دفعت بها إلى المعاناة. ولعل لهذه الخيبة وجها آخر حينما يصطدم هذا النجاح بالقمـــع الســـياسي وبصـــد السلطة، مثلما يلوح ذلك في قصـــة «الناي تثقله الإسرار». فالاحتفال بالنجاح يصـــطدم بقدوم سيارة أمنية:
«كان احتفال القرية بالشاب الذي اغترب يافعا ويعود إليها دكتورا في الفـــيزياء سيمـــتد سبعة أيام بلياليها لكن سيارة الشرطة قطـــعت وريد الفرح، وتم اعتقال يحيى: «فجــــأة تدافع رجال ببدلات سوداء شاهرين أسلحتهم وانقضوا على يحيى يستلونه من حضن الفرح بوصال الأهل».
هذه الخيبات لا تقتصر على ثنائية الدراسة والشغل، بل تمتد إلى خيبات عاطفية عنيفة يعيشها الشخوص تتجسد في تعطل مسار ثنائية حب /زواج. وهو ما يظهر في قصص مختلفة.
ولعلنا نخلص في نهاية المطاف إلى أن هذه المجموعة تحمل طابع الكتابة ضد النسيان وهي كتابة لمشاغل فضاء هامشي، ولخيبات جيل حاول التحرر من الفقر واليأس، وبنى أحلاما تجعله يتغلب على واقعه البائس، ولكنه يصاب بالخيبة. فـ»في النبض قلاع مهجورة» كتابة للآمال والطموحات العالقة، ولأوجاع جيل وهي في ذلك تتقاطع مع الواقع الاجتماعي وتنزلق في فلك أسئلته.

رياض خليف/  كاتب تونسي