غياب القطيعة التاريخية وإخفاقات الحداثة العربية


آخر تحديث: November 8, 2018, 11:26 am


أحوال البلاد

 

بينما بدت لحظة التشكيل في الثقافة العربية أكثر إيجابية ونضجاً، في ذلك الماضي البعيد «عصر التدوين» الممتد بين القرنين الثاني والرابع الهجريين، الثامن والعاشر الميلاديين، فإن عمليات الانتقال التاريخي ولحظاته المفصلية بين العصور، ربما بدت أقل نضجاً، وأكثر سلبية؛ إذ لم تتجاوب ثقافتنا العربية مع منطق العصور الجديدة قط، أو في الأقل بالقدر الكافي للتكيف الخلاق مع مقتضياتها.


ولعل الانتقال الأهم والأكثر مفصلية في التاريخ الإنساني والأكثر تأثيراً في حياتنا العربية حتى اليوم والغد هو الانتقال من حقبة التقليد إلى حقبة الحداثة، فهذا الانتقال المفصلي لم يكن مجرد عبور مرحلة تاريخية إلى أخرى أقرب إلينا في الزمن، ولا مجرد عبور تأثير ودور بقعة مكانية إلى أخرى أقرب إلينا أو أبعد منا في الجغرافيا فقداً أو امتلاكاً لمحور الفاعلية في العالم ولا مجرد عبور من ضفة معرفية زاخرة بمناهج وتيارات ومدارس في العلم والفكر والأدب إلى أخرى مقابلة أو ربما نقيضه في مناهجها وتياراتها ومدارسها الأكثر انتشاراً أو سيطرة على امتداد ساحة العقل البشري اليوم، وإنما هو كل ذلك وأكثر منه وأعمق، هو على وجه الدقة تحول جذري في رؤية الوجود وكل ما ينبثق منها ويتفرع منها من قواعد نظر وآليات عمل وتقاليد ممارسة، هو قطيعة جذرية مع الماضي البشرى في أعمق خصائصه وجواهره ومنطلقاته، وهو قدوم صاخب لحاضر ممتد أكثر من خمسة قرون زاهياً مهيمناً على الثلاثة الأخيرة منها، يتعملق لا يزال، ويتطور لا يزال، في فضائه الجديد الرحيب، وهو بشارة ملتبسة بمستقبل زاخر بكل الوعود، وعود الرفاهة والتقدم والنماء لجانب من العالم ووعود نقيضه بالفقر والتخلف والتهميش لجانب آخر من هذا العالم ذاته.

وبينما عجزت الأمة/ الحضارة العربية عن تجاوز الروح التقليدية وتطوير رؤية حديثة للوجود فإنها ظلت مطالبة بدفع ثمن هذا العجز على شتى الصعد الثقافية والسياسية حتى اليوم، إلى ذلك الذي كان قد امتلكها فكان ذلك إيذاناً بمزيد وعميق من الاختلال لمجالات حياة وأشكال تعبير الإنسان العربي. وفي اعتقادنا أن عاملين أساسيين دفعا نحو ذلك الموقف التاريخي السلبي:

 


الأول: هو غياب العرب عن حركة الكشوف الجغرافية وعجزهم من ثم عن تحقيق القطيعة مع الصورة الكلاسيكية للمكان. ذلك أن مرحلة الكشوف الجغرافية بما مثلته من تكسير حاد وعميق لصورة الغرب الذهنية عن العالم القديم بحدوده المألوفة قد ساهمت مساهمة فائقة في ما يبدو، في انطلاقه نحو العصر الحديث لسبب مباشر، حيث ارتبطت هذه العصور الحديثة شكلاً واسماً بالعالم الجديد الذي أفرزته ولا تزال حيوية الغرب المعاصرة «الولايات المتحدة الأميركية». ولسبب آخر، ربما كان الأعمق، وهو أن العقل الغربي، إذ شهد تحطم الجغرافيا العالمية أمامه وبإيقاع خطواته هو نفسه، قد شعر بقدرته على تحطيم أو تكسير التاريخ: أي أبنيته وتقاليده ورموزه وإلهاماته الموروثة، وإعادة بنائه في شكل مغاير، بخاصة تاريخه الوسيط الذي ارتبط بتركيبة اجتماعية وسياسية واقتصادية تقوم على نوع من الإقطاع شاركت فيه السلطة السياسية المستبدة والكنيسة الكاثوليكية بادعاء الحق الإلهي المقدس في حكم الشعوب.

ذلك أن الاندفاع الغربي المقتحم هذا العالم الجديد قد ولد في العقل الغربي درجة أعمق من الثقة والجرأة وروح الاكتشاف والمبادرة إلى درجة المغامرة: اكتشاف الأفكار، والمعارف والتجارب المنثورة في ثنايا التاريخ الذي تم تحطيم صورته الميتافيزيقية المتعالية الغامضة مع تحطيم أستار الجغرافيا التي شهدت قصصه وأساطيره ورواياته وسردياته الكبرى والصغرى، ومن ثم تنامت قدرته – أي الغرب - على الخوض في دروبها بكل الثقة وبمنتهى الجرأة التي وصلت إلى ذروتها في النزعة الهجومية التي اختزنها العقل الغربي ليستعملها بعد ذلك كثيراً ضد أنحاء عدة في العالم القديم، ملتبساً هذه المرة بروح استعمارية نال عالمنا العربي بعضاً من نيرانها واحتقاناتها في القرنين التاسع عشر والعشرين، فيما جسده نسق الفكر الكولونيالي الذي تبرعم الفكر الغربي الحديث النازع إلى التمركز حول ذاته والقائل عبر توليفات نظرية وتحيّزات علمية تبلغ حد التزييف، بسمو الغرب عرقياً ودينياً وفكرياً، بل بوحدته واستمراريته منذ بداية تاريخه العام «بالمعجزة» الفلسفية اليونانية وحتى الآن، متمتعاً بالطهر المعرفي والنقاء العرقى.

والثاني: هو هامشية الدور العربي في ظاهرة العلم الحديث، حيث ساهم أيضاً في قدرة الغرب على نقد تاريخه الوسيط بالذات وتكسير تركيبته الإقطاعية، امتلاكه المتنامي ناصية العلم الطبيعي في منهجه التجريبي والذي يصوغ، ربما وحده، نشاطاً فكرياً مستقلاً ومتمايزاً عن تلك النشاطات الفكرية التي تلهمها الأديان والفلسفات المتراكمة في التاريخ، والتي تبقى مهما راوحت بين يمين ويسار ومقدس وبشري، نمطاً من النشاط يركّز على التيار الشعوري الباطني للإنسان، وعلى علاقاته بالبشر الآخرين في مجتمعه أو المجتمعات الأخرى، وذلك بعكس العلم الحديث، بخاصة في تطوراته اللاحقة على شكية ديكارت وتجريبية بيكون والتي قامت بالأساس على عناق بين الرياضيات والفيزياء وأنتجت في النهاية عبر اشتقاقها معادلات منضبطة وقوانين دقيقة نسقاً معرفياً كاملاً يبحث في الوسائل والأشياء، والمقادير والكميات، والكتل والموازين، ويراكم المناهج والنظريات المطلوبة لملء الفراغ الممتد بين الإنسان والعالم، واللازمة لاقتحام الطبيعة، اكتشافاً لقوانينها، وتوظيفاً لها، وهو الأمر الذي نقل وعي الإنسان الغربي إلى فضاء جديد موضوعي مكنه من طرح أسئلة جديدة تماماً على تاريخه، وأنماط تنظيمه الاجتماعي، أفضت في النهاية إلى قصر الدين على المجال الروحي، ودفعت نحو مزيد من العقلانية والديموقراطية، وهما المعلمان البارزان للوعي الغربي في كتلته التاريخية المعاصرة.

العكس تماماً هو الذي هيمن على الحضارة العربية، إذ لم يحدث أن شارك العرب في الكشوف الجغرافية حولهم إلّا بقدر المشاهدة من بعد وربما من دون اهتمام، لذلك لم يشعروا تقريباً بأهمية التغير الحادث لصورة العالم حولهم، على نحو أبقاهم داخل إطار الصورة الذهنية للعالم القديم، بكل كمونها وسكونيتها ومحدوديتها وغموضها الميتافيزيقي. كما أنهم ظلوا بعيدين، ربما حتى الآن، من امتلاك ناصية العلوم الطبيعية وبالذات منهاجيتها التجريبية الحديثة، ما أثمر ضعفاً شديداً في نسق «الثقافة العلمية» الذي يرتكز على طبيعة الموقف من العلم: مدى حضوره كمحتوى أي كمجموع ظواهر يتوافر عليها طلاب العلم للفحص والدراسة، ثم كمنهاجية تنظم وتصوغ طرائق التفكير في هذه الظواهر داخل كل ثقافة إنسانية وهل تسيطر عليها النظرة العلمية في رؤية الطبيعة والإنسان أم تغيب عنها لمصلحة نقيضتها الميتافيزيقية، أو السحرية/ الأسطورية. ومن ثم مدى استعداد الناس في هذه الثقافة للاعتبار بقيم الجد والاجتهاد ومراكمة الخبرة المهنية والتدريبية واختزان الكفاءات والمهارات البحثية والتنظيمية ثم تقنينها في مؤسسات وأبنية تنشرها في المجتمع وتحفظها في الأجيال المتعاقبة من دون انقطاع كامل أو تقلب شديد على النحو الذي يخلق لدى هذا المجتمع نوعاً من الوعي الثقافي الرصين الذي يخلو تدريجياً من العاطفية والذاتية المفرطة ويكتسب تدريجياً عقلانية وموضوعية تسمه بالتجانس والاستمرارية والقدرة على التكيف الهادئ والاستيعاب الآمن للمعارف ووجهات النظر والآراء الجديدة من دون تقلصات شديدة، فضلاً عن قدرته على إنتاج التقنية الحديثة وإدارة وسائلها ومعطياتها برشادة تحقق أهدافها المطلوبة منها ولا تجعلها أعباء ضاغطة على المجتمع؛ ما أعجزهم بالأحرى تحقيق القطيعة مع النموذج التقليدي/ الصوري للمعرفة.

ومن جماع العجز عن تحقيق القطيعة الجغرافية، وكذلك القطيعة المعرفية، بقي الوعي العربي عاجزاً عن إنجاز القطيعة «التاريخية» مع كتلة العصر الوسيط وراسفاً من ثم في إسار رؤية تقليدية للوجود، عاجزاً عن الولوج إلى فضاء الرؤية الحديثة. لذا، فقد بقي نمط إدراك العالم كما هو موروث تقريباً من القرون الوسطى «الزاهرة في السياق العربي» مهيمناً حتى القرن التاسع عشر سواء في ما يتعلق بموقع الدين في النشاط الفكري أو ما يتعلق بأشكال تنظيم المجتمع، وإدارة المجال العام. لذلك، اختفت الدوافع الداخلية للتغيير، ولعل هذا ما يفسر كيف أن كل محاولات النهوض العربي في العصر الحديث لم تصدر عن حركة ذاتية لتجربة تاريخية تتطور بثقة واستقلال في أفق تاريخي مفتوح كما كان الأمر لدى المجتمعات الغربية، وإنما عن شعور عميق بالخوف من العالم الحديث ومحاولة اللحاق به بتطويع مجتمعاتنا لمتطلباته، ولو قسرياً، على نحو يقترب من حد إعادة التصنيع وفقاً لرؤية الحاكم الفرد أو في الأكثر النخبة القائمة بعملية التغيير، وهو الأمر الذي جعل كل تجربة نهوض شبه جزيرة منعزلة عن سابقتها، وتاليتها، وحرم مجتمعاتنا العربية من تراكم الخبرات التحديثية.

ولأن الرغبة في التغيير لم تنبع من عوامل داخلية، بل حركتها دوافع خارجية جسدها بالذات الاحتكاك «الدموي» بالغرب والهزيمة سياسياً وعسكرياً أمام صورته الحديثة الملتبسة بالتقدم والاستنارة من ناحية والهيمنة والاستعلاء من ناحية أخرى، فلم يكن أمام مجتمعاتنا العربية سوى «الصيغة التوفيقية» كصيغة ثقافية تقيها الشعور بالاغتراب إزاء عالم لا تستطيع الانتصار فيه ولا تستطيع، في الوقت ذاته، الانسحاب منه. إنها الصيغة التي مورست تقريباً نحو قرن ونصف القرن، من دون أن تؤتي ثمارها، إذ تحولت من التوفيقية إلى التلفيقية بفعل دوافع عدة، أفضت في النهاية إلى انكسار الفكر النهضوي العربي، وتأزم مشروع الإصلاح الديني، ومن ثم انبعاث الإسلام السياسي، ومعه عواصف التطرف والأصولية.

صلاح سالم