قصيدة زيزي شوشة تموج بين ثقل العالم وخفته


آخر تحديث: November 8, 2018, 11:22 am


أحوال البلاد

 

دائماً ما توصف الشعرية الحديثة بأنها ضد السائد المعتاد لأنها تجترح آفاقاً مغايرة للتجديد الذي يتجاوز فكرة الشكل إلى فرادة الرؤية. لقد آمنا طويلاً – مع أدونيس – أن مجرد التجديد الشكلي يتبعه، بالضرورة، أو يتلبس به تجديد الرؤية. ولم يكن هذا صحيحاً على إطلاقه، فالتقليدية واردة في كل الأشكال، ومع استقرار الموجة التحديثية الأولى في أواسط الأربعينات بدأ الحديث عن «كلاسيكية شعر التفعيلة» بمعنى شيوع أنماط ثابتة في التشكيل والتصورات.


ومن المفارقات أن تتكرر هذه الحالة نفسها مع تداول «وصفة» جاهزة لقصيدة النثر تدور حول الكتابة المجانية و «نقل» اليومي والتفصيلي، بحيث تغدو القصيدة ملامسة لسطح العالم من دون اكتناز جمالي أو معرفي. إن تقليد أحدث التيارات الشعرية الغربية لا يفترق عن تقليد التراث. فالتقليد – في الحالتين، وكما يقول محمد حمود – ضرب من الاستلاب - لأنه محاكاة لنماذج سابقة تفقد الذات خصوصيتها وإبداعها. الشاعرة المصرية الشابة زيزى شوشة، تبتعد فى ديوانها الأول «غرباء علقوا بحذائي» (الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة - القاهرة) من هذه الوصفة المعدة سلفاً. صحيح أن اليومي ماثل في نصوصها، لكنها تدخله في سياقات شعرية تتجاوز راهنيته وجزئيته. فالفن – غالباً – ما يرتبط بمناسبة ما أو وقائع حياتية محددة لكنه – في حال إبداعه – يتجاوز هذه المناسبة حتى تصبح مجرد معطى أولى مثير، فحسب، للخلق الفني. وعنوان الديوان – على غرابته – يحدد علاقة الذات الشاعرة بالآخرين. فصيغة التنكير موحية بالعمومية والتجهيل، ناهيك بوصفهم بالغرباء، هذا الوصف الذي يضع مسافة أخرى بينهم وبين الذات. فالآخرون – هنا – ليسوا جحيماً – كما كان يقول سارتر – بل ظلالاً تعلق – مصادفة – بحذاء الذات ولا ينبغي أن نستسلم للمعنى القريب الذي يوحي به دال «الحذاء» من قبيل الاستعلاء أو تضخم الذات.

فالحق أن دال «الحذاء» له أبعاده الحضارية والاجتماعية والعاطفية، فهو من ناحية يدل على انتقال الإنسان من طور البدائية التي كان فيها جزءاً من الطبيعة إلى طور الحضارة. ومن ناحية أخرى يمثل حلم البسطاء في حيازته. وقد يدخل الحذاء في إطار الحكاية «الأليغورية» لتمثيل الحظ العاثر الملازم للإنسان، والذي لا يستطيع الخلاص منه كما في حكاية «حذاء الطنبوري» التراثية، على العكس من «حذاء سندريلا» الذي جلب لها الحظ السعيد بالزواج بالأمير، أو «حذاء رادوبيس» الذي اختطفه النسر وطار به إلى الملك في «منف» وألقاه في حجره ليكون ذلك سبباً في زواجهما وبناء الهرم الأصغر.

 


لكنّ الحذاء له جوانب أخرى – أقرب إلى دلالات الديوان كما سنرى – فهو سجن للقدم فرضته الحضارة الحديثة. كما انه إخفاء للحقيقة؛ لأن الناس تختار ما يروق لها لا ما يناسبها. ودلالة القيد وكشف الحقيقة – تحديداً – مما يمكن أن نراه في نهاية القصيدة التى يحمل الديوان عنوانها «أترك حزناً قديماً/ أوراقاً ممزقة/ أكاذيب/ وضعها الأصدقاء على المائدة/ ثم أذهب إلى حجرتي عارية تماماً/ بسهولة أرتدي وحدتي/ هي دقيقة وخفيفة/ تثبتني بيدها الحادة/ تنظفني من القبلات السريعة/ والغرباء الذين علقوا بحذائى/ تلبسنى ثوباً جديداً/ ثم تتركني وحيدة» (ص 72). التعري خلاص من العالم: من الحزن القديم والأوراق الممزقة والأكاذيب. وتبدو الحجرة أشبه بـ «مصادَفة» الذات التي تحتمي بها والوحدة ملاذاً آمناً يخلصها من القبلات – العلاقات – السريعة التي تفتقر إلى العمق والتحقق والديمومة وفعل المجاورة والتتابع بين «القبلات السريعة» و «الغرباء الذين علقوا بحذائي». وهو يشير إلى بعد عاطفى ويحيل إلى حذاء رادوبيس وسندريلا على سبيل المفارقة الأليمة الساخرة بين الختام السعيد في القصتين القديمتين والرغبة في الخلاص – في التجربة الراهنة – من قيد القدم الذي فرضته الحداثة بعلاقاتها المسطحة السريعة، وهو ما ألقى بظلاله على حركة الذات اللاهثة المتوترة التي لا تود الثبات على الأرض أو التحليق في السماء.

وفي هذا السياق، تقول الشاعرة: «اخترت أن أكون ممزقة/ دون التمسك بأي نقاط ثابتة/ يمكن الآخرين أن يستدلوا عليَّ من خلالها/ أرفض الثبات على الأرض/ أرفض التحليق فى السماء» (ص85). ويلاحظ أن نزعة تشييئ الذات تهيمن على معظم القصائد في الديوان: «تحت سقف البيت/ السقف الذي ضغطني وملأني بالكثير من الوحدة/ كنت أتحرك ككتلة صماء/ يسهل وضعها في أي مكان/ ومن ثم يمكن التخلص منها». وعلى رغم وطأة المكان بجغرافيته حيث تتكرر دالّة الجدران/ السقف/ الغرفة/ البيت/ المقهى... فكأنها تظل حاملة بعدها الرامز – بداهة – للحصار والقمع والخواء والفراغ.

الغرف مقبضة بحرارتها التى تشبه الصفعات وخاوية، فلا نكاد نرى أثاثاً أو مظاهر حياة. هي أشبه بـ «قدر الغرف المقبضة»، بحسب تعبير عبدالحكيم قاسم. والسقف – الذي قد يكون سقف الحرية – يضغط الذات ويحولها إلى كتلة صماء يسهل التخلص منها. وفى هذه الحالة يتخلق الحلم بالأماكن البعيدة. ولكن، هل الحياة حقاً هناك؟ «الحياة هي في مكان آخر» وفق رواية ميلان كونديرا. قصيدة «الأصوات القديمة» تنفي هذا الوهم، إذ تبدو الذات واقعة في «الزمن الفاصل بين الخفة والثقل»؛ بين عالم القرية وعالم المدينة من دون فوارق حيوية. ففي القرية، تستولي على وعيها مشاهد سقف البيت المشروخ والمقابر المرصوصة في ثوب قديم والصبار المزروع على قبر الأب، الاستثناء الوحيد بين كل هذا هو تلك السنوات البيض المسكونة بالسنابل ووجه أمها وهنا – في المدينة – تعاين البنايات الصماء وصهد الشوارع ومرارة الوجوه، لا نوستالجيا إلى مكان قديم ولا استشراف لحياة أخرى في مكان جديد، بل إن الأمر يزداد تعقيداً. فالجسد الذي كان واضحاً تحت سقف البيت المشروخ صار عصياً على الفهم. ولكن، ما هي تلك «الأصوات القديمة» التي جعلت منها عنواناً للقصيدة والتي وصفتها – مرة أخرى – بالأصوات الغامضة.

تتكشف الدلالة عندما تقول: «أستمتع بلذة الغموض/ أخرج لساني/ لا أستطيع إدخاله/ أخلع حذائي أضع قدمي في وجه العالم/ أغني بصوت مكتوم/ وألهث وراء حلم بعيد/ من دون سبب لأراني تحت شجرة وحيدة/ أبحث عن أصوات قديمة». نحن أمام تسع جمل فعلية قصيرة لاهثة تعكس حركة الذات المتمردة وخروج اللسان علامة على خروج الكلام المواجه العالم، والذي يؤكده خلع الحذاء/ القيد والغناء بصوت مكتوم. بهذه الاعتبارات يمكن القول أن هذه الأصوات القديمة الغامضة، والتي تشبه النداهة هي أصوات «الشعر» التي حرَّرتها من «الصمت» وعلمتها «الاستغناء». وهي الدلالة نفسها التي تتكرر في «صوتك في حجرتي الخرساء»، والتي يبدو فيها الصوت اختراقاً لخرس المكان بعد الذهاب بعيداً إلى حافة العالم بحذاء خفيف وشعر متطاير في مقابل الضفيرة المعقودة التي تشبه المشنقة الملتفة حول العنق في النص السابق مباشرة. وخرس الحجرة يستدعي مرة أخرى دال «الجدران» المتكرر في شكل لافت، والذي يتجاوز بعده المادي كأنه كائن داخل الذات لا خارجها.

محمد السيد اسماعيل