إِلى اللغة العربيّة بالضرورة


آخر تحديث: November 8, 2018, 11:21 am


أحوال البلاد

 

أجملُ ما فيكِ ثلاثَة: نَسَبُكِ الضارِبُ في السراب، سُكوتُكِ عن نَفْسِك، والتاءُ المربوطةُ في آخِرِك.
قِيلَ إنّ للتاءِ معكِ حكايا سكتَتْ عنها شهرزادُ فيما بَلَغَنا منَ الليالي. أمّا الرواةُ الرجال، فكثيرا ما اختَلفوا في التاء ماهيّة ومكانا ومَكانة. قال بعضُهم باسمِ التخيِيلِ إنّها تُفّاحةٌ في شَعرِك، أو وردةٌ في خصْرِك أو غضى ماشى الرِّكابَ على جِلدِك. وباسم التعليلِ قال غيرُهم إنّها من رَمادِ أُمِّك، التي قَتلَتْ نَفْسَها بلا سَبَب، فحطَّمَ أبوكِ جِدارَ المَعْبَدِ باكيا. قالوا إنّه نَدِمَ حين هَدأَ فعادَ وقدّمَكِ قُربانا، تاركا تحتَ رأسكِ قصيدة مكسُورة كخاطِرِه، حملَتْ قلبَهُ قاربا في بحرِ حُزنِه. زادَ بعضُهم في الروايةِ فقالَ إنّها ما أبكى صاحبَ امرئِ القيس حين وَجدها مُلقاة في دربِ قيصَر، وإنّهُ خبّأَها عنهُ أو حاولَ على الأقلّ، وإنّ قِطَعا منها كانت تظهَرُ بينَ مَراجيعِ الوشْمِ شرطَ أن يَقِفَ بها اثْنان، وشرْطَ أنْ يَعْقِلَ أحَدُهُما قَلوصَهُ جيّدا وَسْطَ طَقسِ البُكاء، وألاّ يُذيعَ أحدٌ منهما سِرَّ ما رأى إلاّ لشابٍّ جَميلٍ مِنْ مُرسِيةَ سيزورُ الصحراءَ اختيِارا. تقول النهايةُ إنّهُ أعطى القصيدةَ لخليلٍ في بغدادَ يُدعى شِهابَ الدين، وإنّها الآنَ هناك في قَبرٍ من وَرد. تقول نهايةٌ أخرى، أَرسخُ في العِلم، إنّ أبا الطيّبِ ماتَ حسْرة لأنّكِ خُنتِ العشرةَ وما أطلعْتِه يوما على حقيقةِ ما جَرى، وأغرقْتِه مثلَ سواه في أساطيرَ للأوّلينَ والآخِرين.
٭ ٭ ٭
كم أحبَّكِ فحُولُ الرجال، بَيْدَ أنَّ أعرابيّة خالفَتْ ما شاع. رَوتْ أنَّ جُلَّهُم كان عُذرِيَّ الوجودِ أمامَكِ، ما مسَّ مِنْكِ أَسْفَلَ مِنْ خَصْرِكْ. يَقُولُ الفِرِنْجَةُ في زمانِنا إنّهم كَشَفوا عانَتَكِ وأخواتِك، ويُقلّدُهُم بنو قومِنا على عادَتِهم ويقولون هُراء كثيرا عمّا تَضَعينه مِنهم تحتَ نخلةٍ على صحائفَ بيضاءَ بعدَ نكاحٍ ما كان إلاَّ وحْيا. زعمَ بعضهم بأنّهُ دنا ومسَّ منكِ حَدَّ الوَجْد، وأعطى دليلا قطعَ الشكَّ بسيفِ الحيلةِ بينما كان اليقينُ يَغسِلُ ثيابَكِ في النبع. قال الدليلُ إنّ صاحبَهُ عاشَرَك، وكان العِشقُ غِيرة إذ أرادَكِ لنَفْسِه. وحينَ ما كنتِ، شطَركِ باسمِ كتاب الموسيقى فاصِلا صدْرَكِ عن عَجْزِك، ثمّ أعطى دَمْعَكِ صوتَ البِحار، ونحيبَكِ اسمَ ما مرَّ على الرمالِ من رَحيلٍ ومُقام. أمّا دمُكِ المسفوك، فَرُويَ عن غريمٍ ليزيدَ بنِ معاويةَ أنّهُ ما كانَ إلاّ خِضَابا توشّحْتِ بهِ صَبابة وخَوْفَ النوَى. قالَ دليلٌ آخَرُ إنّ هَوى صاحِبِه ما أوجَعَك، إذ اكتَفَى برَبْطِ قدمَيكِ لَعلَّ السجْعَ يقْضيَ مَأرَبَهُ الزهِيدَ في اشتِباهِ الأشياء، ولعلَّ الأعشى يَسمعُ إذا ما الصبحُ تنفّسَ تَردادَ ناقةٍ ترَكتْهُ حين قصّرَتْ عنها الاستِعارة. على أنَّ بعضَ الاكتفاءِ ما كان زُهْدا، بل قادَ أصحابَه مِمّنْ زَعَموا وصْلَكِ إلى وَطَرٍ أنْفَذَ سَهْما، سمَّوهُ كِهانة أو نُبوءة أو نُبوَّة. رُوِيَ عن مَلَكٍ أحمقَ أنّهُ سَمِعَكِ تصرُخينَ اعتراضا لأنّهم نَفَوا عَنْكِ أنَّكِ التي وهبْتِنا الأسماء، وما صَدَّقَهُ الناس. أمّا بعضُ العُقَلاءِ مِنْ أهْلِ النَظَر، فقال إنَّهُ شَرحَ صدْرَكِ لكي يُيَسِّرَ أمرَ فِكْرِه، واشْتقَّ مِن قَلبِكِ ما يلزَمُ الخِيمياء مِن تراكيبَ تُنفَثُ في عُقَدِ النفس بُغْيَةَ ترويضِ الغيبِ وترتيبِ الشهادَة، وبُغْيَةَ إزالةِ اللَبْسِ عنْ ظَعائنِ العِلم القديم: هلْ يُعقَر كُلُّه ما يُعقَل جُلُّه؟ هؤلاءِ زَعَموا بأنّك غَفَرْتِ لهُم باسمِ القَصْدِ الشريف، ولأنّهم وَضعُوا عنكِ بعضَ شَرْحٍ كانَ قدْ أنْقَضَ ظهْرَك.
٭ ٭ ٭
بلغَني أنّكِ عرفْتِهم قبلَ التجْرِبة، وما رغبْتِ عنهُم لسَبَبٍ يَخصُّكِ وحْدَك. يزْعمُ عالِمٌ غيُر جليلٍ في زماني بأنَّ قومَنا بَرَعةٌ في القسْوَةِ أَكثرَ مِن سِواهم، ويُفضِّلُ هُوَ وأصحابُه تسْمِيتَها عُنْفا، وأحْيانا تَطرُّفا، ويدعُوننا إلى الرفْقِ بكِ وببعضِنا والآخرين. يُعيدونَ علينا دُروسا في أحوالِكِ مع الخليقَةِ سمِعُوها في بيتِ أُختٍ لكِ صغِيرةٍ غيرِ شَقِيقة، لمْ يكُ لثدْيِها حجمٌ حينِ كُنّا بكِ نُوجِدُ المعدومَ وكان الله يأمرُ بعَصاكِ الكونَ أنْ يَكون. ما كانوا ولا كانَتْ هُناكَ حِينَ ضَممْتِ يَدَكِ إلى جَناحِكِ ترْتعشينَ تحتَ لسانِ نبيٍّ أرَهَقتْه عُقدةٌ بين عيْنيكِ، فخفَّفَ اللهُ عنْكُما بأنْ أعادَ الدعاءَ على لِسانِه فصِيحا قاسَيا على رُوحِكِ كما تشْتهين. يقولُ بعضُ الحمَقى والمغفَّلين إنّ الذي بكِ عِلّةٌ يُعطُونَها اسْما أعجَميّا مُشْتَقّا مّمنْ خطَّ وَصْفَها حِكاية عاديّة واسمُهُ مازوخ. كم أغْضَبَ هذا الزعمُ شابّا جميلا لهُ رائحةُ تُفّاحٍ وَرَدَ يوما بغدادَ مِن شيرازَ قاصِدا رِيحَكِ، وانتهى في طريق العَودِ إلى أُمِّهِ إماما في نحْوِك. قال ما بها عِلّةٌ، بَلْ لها حَال. وفي لسانِنا المَهِيب: الحالُ كِيْنَةُ الإنسان. كَم عانَدَ مؤلِّفُه خُلُقَ الوقتِ لكي يَصِفَ أمزِجَتَكِ طَوْرا فطَوْرا، وحَرْفا فحَرْفا، وما بَلَغْنا شَيءٌ حولَ رِضاكِ عنْ مَثلِ هذا التودُّد. لعلَّ رِضاكِ مِنْ سِرِّ كيِنَتِك، ولعلَّ عَرَضَها الأفْصحَ أنّكِ لا تُحبِّين الضعَفاءَ ولا النِسَاء. كم أرْخَى لَكِ مِنْهمُ الحبلَ فَكرهْتِه لخنُوثَتِه، وكمْ ظنَّت امْرأةٌ شَبَها بِكِ لأنَّ صَدْرَكِ بَدَويٌّ وَسِعَ المعانيَ ممْدودة إلى غيرِ نِهاية. ما أصابَتْ، ولا دنَتْ، ولا عَرفَتْ أنّ الاستِباحةَ على مَذْهَبِكِ مَحْضُ غَزْلٍ تُلهِينَ بِهِ ضَجَرَك، ريثَما يأتيكِ رسولٌ أو هُدْهُدٌ بآخِرِ قِطْعة مَنْ مرآةٍ أهدَتْكِ وجهَكِ في حَلَب. سيكونُ مَعَهُ كِتابٌ يقولُ إنَّ مَنْ صَنَعَت المِرآةَ في الأصْلِ عرّافةٌ اسمُها مُجادِلة، وإنّها حَمَلَتْها مَعَها مُذْ غادَرتْ مأرِبَ تمشي الهُوَينَى نحوَ سِرِّ مَسَرّتِك، وإنّها تنبّأتْ قبل موْتها بأنَّ السقوطَ عنْ صهوةِ الدنيا لن يَلُوحَ خَبَرا على رونقِ سيفٍ ما عادَ إلى جَفْنِه مُخَضَّبا بالنَصْر، بل عندما تُفلتُ مِنَ الفارسِ المِرْآة.
٭ ٭ ٭
عرفْتُكِ، وإذْ بالحياةِ بُرَاق. وإذْ بِيَ أَطَأُ نَحْرَكِ فيزدادُ فخَري بنَفْسِي، وأنأى فينفَدُ ذُخري. أضيعُ بين الخَلق، لأنّ نَفْسيَ من نفسِك، ويرتعِدُ جِسْمِي: ليتَ اللهَ يَصِفُكِ خاليا فتفيضُ عيناه. أطْمَعُ بالبرْقِ فِيْكِ وأبْتَغي: صَوْتَك مِنْ غَيْرِ لِساني، وخَمْرَكِ مِن غَيْرِ قَدَحي، ولبَنَكِ مِنْ غَيْرِ صَدْري. أجْهَلُ الطريقَ، لأنّيَ مِن وَهْمٍ، رغمَ العَصَبِ واللَحْم. حَدْسي وفِيٌّ وخائنٌ لأنّي أنا والدنْيا كَذلك، تبْدأُ فِينا النارُ قَبْلَ أنْ تنتهيَ الجنَّة. قالَ إنَّكِ سَتأتينَ في الضُحى ومَعكِ تُرابٌ وَيَاقوت، وسَيَحُول بَيني وَعَيْنِكِ خَيالٌ لا أقْوَى على حَبْسِهِ فِيّ. سَيَرى كَذِبي في عيْنِه وأُجادِلُ: ما كُنْتُ أُرِيْدُ إلّا أنْ أشْكُرَ وحَسْبْ. سأحسَبُ هَداياكِ مَنْ أَرْكان رُوْحِكِ، وسأشْفِقُ حين يَرجِعُ إليَّ عَقْلي على نَفْسِي. كم حسِبْتُها صَعْبةَ المِراسِ مِثْلَكِ، وما هِيَ إلاّ عُنْصُرٌ يُثِير شَفَقةَ المحُبِّينَ كُلَّما رأَوْني عاطِلة مِن زِينَتِك، أبحثُ مِثلَ خَرْقاءَ سَئِمَتْها اليمامةُ جارية لها عن قَصْدٍ للرَحِيل.
***
بلقيس الكركي/  كاتبة أردنية