روايات «الميتافكشن» أو كيف يعكس البشر خبرتهم بالعالم


آخر تحديث: November 8, 2018, 11:20 am


أحوال البلاد

 

■ عن دار نشر شهريار في البصرة العراق وضمن سلسلة روائع شهريار النقديّة صدر كتابُ «الميتافكشن: المتخيّل السردي الواعي بذاته: النظرية والتطبيق) للناقدة الإنكليزيّة باتريشيا وُوه، الذي كان قد صدر للمرّة الأولى في نسخته الإنكليزيّة عام 1984، وقد ترجمه إلى العربيّة المترجم المصري السيد إمام، وستقدّم هذه (القراءة) عرضا موجزا لأهمّ أفكار الكتاب، من دون أن تعتمد على التسلسل المنطقي لفصوله.
عرّفت الناقدة باتريشيا وُوه (الميتافكشن) بقولها: إنّه الكتابة التخييليّة التي تلفت الانتباه بطريقة واعية بذاتها، وانتظاميّة لوضعيّتها بوصفها نتاجا صنعيّا يطرح الأسئلة حول العلاقة بين المتخيّل والواقع، من خلال تقديم نقد لطرائق البناء السردي، مستكشفة البنى الأساسيّة للمتخيّل والتخييل، وقد تُرجم قبل أن يظهر الكتاب إلى (ماوراء الرواية) أو (ماوراء السرد)، والناقدة ترى أنّ الروائيين في السنوات العشرين الماضية مالوا إلى وعي بقضايا التنظير الخاص في بناء المتخيّلات، في إشارة واضحة إلى اعتمادهم على (الميتافكشن) في بناء سرديّاتهم، الأمر الذي قاد نصوصهم إلى تجسيد أبعاد الانعكاس الذاتي، وعدم التأكيد الشكلي، وقد تبين لها أنّ الناقد والروائي الأمريكي وليم إتش جاص هو مبتدع هذا المصطلح عام 1970.
و(الميتافكشن) حسب رؤية الناقدة ليس جنسا فرعيّا للرواية، بقدر ما هو نزعة داخل الرواية تشتغل من خلال تضخيم التوترات، والتعارضات الكامنة في نصّها ضمن فعّاليّة الإطار وكسره، والتقانة، والتقانة المضادة، وبناء الوهم وتفكيكه، وهذه النزعة ترفض صورة المؤلف التقليديّة بوصفها ابتداعا متعاليا للخيال، ولكنّها في الآن نفسه تظهر الكيفيّة التي تستجلي بها مفهوم التخييل من خلال بناء الوهم وكسره، ففي روايات (الميتافكشن)-عند الناقدة- تتراوح حيل التأطير التي هي أبنية سرد ما بين قصص داخل قصص، وشخصيّات تقرأ عن حيواتها المتخيّلة، وعوالم تستهلك ذاتها، أو مواقف متناقضة. و(الميتافكشن) الذي ينتمي إلى سرديّات ما بعد الحداثة يُعنى بلغة التناقض التي تُحلّ في نهايات الروايات عادة، فضلا عن عنايته بالتبديل، والدائرة المقصّرة، والعشوائيّة، والإفراط.
وترى الناقدة أنّ وظيفة (الميتافكشن) تكمن في السؤال: كيف يعكس البشر خبرتهم بالعالم؟ يعالج المصطلح هذا السؤال من خلال استكشاف الذاتي الشكلي، مستعينا بالاستعارة التقليديّة للعالم بوصفه كتابا، معيدا صياغة السؤال في ضوء النظريّة الفلسفيّة، وإذا كانت معرفتنا بالعالم تتمّ من خلال وسيط اللغة، فإنّ المتخيّل الأدبي (العوالم المبنيّة كليّة بوساطة اللغة) صار أنموذجا مفيدا لمعرفة الواقع نفسه.

وتتيح روايات (الميتافكشن) ملاحظة البناء النصي واللغوي للمتخيل الأدبي، فضلا عن الاستمتاع بالعالم داخل المتخيل والاشتباك معه، فهي تقدّم شخصيّات تنتمي بشكل واضح إلى فئة الفنانين، وشخصيّات روائيّة تكتب رواياتها، وتبالغ هذه الروايات حين تتمسّك بمفهوم المؤلف، بوصفه مبدع النص حين تُظهر درجات الإخبار في حضور المؤلف الذي يقتحم العالم التخييلي عابرا الفجوّة المعرفيّة، فاصلا بين التخييلي والواقعي من خلال التعليق على فعل السرد وتأثيره في البنية، فهذا الحضور يضع المؤلّف الروائيّ في تماس مع النقد عند التخوم التي تصل الرواية بحقل حيوي مجاور ذي طبيعة مختلفة تنفتح على دراسة الأساليب والبحث في جماليّاتها، من خلال تقديم جملة من الرؤى التي تحمل نقد الرواية، أو تحمل فكرة عن بنائها، وهو يشرك المتلقي في تلقيها، والتفاعل معها ضمن مسار منعزل عن نصّ الرواية، أي تقديم نصّ لاحق على نصّ سابق كي يؤكد سردها، ويقدمها في اطار فاعل جديد يشي بوعي التحديث السردي.
إنّ دخول المؤلف إلى النصّ الروائي يدفعه – كما تقول المؤلفة- إلى التمسك بهويته الواقعيّة بوصفه مبدعا للنص، فما أن يدخله حتى تصبح حقيقته موضع شكّ عند المتلقي، ليكتشف أنّ لغة النص تتّجه نحو إنتاجها الخاص ليصبح المتلقي نفسه على دراية مفارقة تشير إلى أنّ المؤلف يتموضع في النص في الموقع ذاته الذي يؤكد فيه هويته الخارجيّة.
وأفهم أيضا من كلام الناقدة أنّ حضور المؤلف في متن روايته بالطريقة السابقة ناجم عن تجريب سردي للّغة يُجرّب فيها المؤلّف شكلا جديدا من أشكال الكتابة التي تغادر المألوف نحو تجريبيّة جديدة قَبِلَ بها الروائي المعاصر، بعد أن تشرّبت في قراءاته، وكتابته تجارب روائيّة غربيّة رائدة ليقبل بها المتلقي المعاصر بوصفها نمطا من التحديث الأسلوبي الخاص بالرواية الحديثة، فضلا عن أنّ ذلك الحضور تمثيل للذات المبدعة على صفحات إبداعها يحتكم إلى إجراء غير مألوف خلقته تحولات الوعي بالكتابة السرديّة الحديثة.
وتَعُدُّ المؤلفة باتريشيا وُوه دخول الراوي إلى النص الروائي ملمحا محدّدا لما أصبح يطلق عليه بـ(فوق المتخيّل) إذ يكون التأكيد على السرد بوصفه ابداعا فرديّا، وتلفيقا تلقائيّا على حساب الواقع الخارجي، أو التقليد الأدبي بديلا لما تمّ التشديد عليه من قبل، ولعلّ دخول الراوي أو السارد بشكل أدق إلى متن الكتابة الروائية يحيل الكتابة إلى جزء من اللعبة اليقظة التي توقظ الأحاسيس في مخيّلته، وإنْ كان سادرا في غيّه ومغامراته الخاصّة، وهو غير قادرعلى أن يكون بمستوى الحدث؛ لأنّ الكتابة جزءٌ من شهوة الحياة عنده، فلا مناص من الدخول إلى طقوسها، والتعمّد بمياهها، على الرغم من تباين الزمن، وتغاير سلطته، فهو بطبيعة وجوده القلق لا قدرة له على أن يحيا إلا والكتابة تأخذ به نحو شواطئ المغامرة.

وتفحص الكاتبة بعض مصطلحات (الميتافكشن) البديلة ضمن تنويعات اقترحها النقد الغربي على الكتابة الواعية مثل: الرواية الانطوائيّة، والرواية الضد، واللاواقعية، وما فوق المتخيل، والرواية ذاتية التوالد، ورواية التخريف التي تدلّ جميعها على (متخيّل) ينعكس على نحو واع على المصطلح، وعلى بنيته الخاصّة بوصفها لغة، مع إشارات دالّة على الفوارق الدلاليّة للمصطلحات السابقة ليبقى مصطلح (الميتافكشن) تجريبا ذاتي الانعكاس يُبقي الباب مفتوحا لأي هجوم نقدي إزاء هذا النمط من التقانة السردية، بوصفه- الميتافكشن- صيغة من صيغ الكتابة ضمن حركة ثقافية أوسع يشار إليها بوصفها جزءا من مصطلحات ما بعد الحداثة.
وتنقل مؤلفة الكتاب أنّ الفن كلّه (لَعِب) من حيث إبداعه لعوالم مرمّزة، وعندها أنّ المتخيّل طريقة مفصّلة للتظاهر الذي هو أساس للّعب والألعاب، بدون أن تقبل بفكرة (فرويد) الشهيرة القائلة: إنّ الفن والأدب يعملان بوصفهما شكلين تعويضيين للإشباع، يحلان بالنسبة إلى الراشد مكان عالم الطفولة المفقود المتّسم باللعب والنزعة الهروبيّة، وعندها أنّ المتخيّل الأدبيّ شكلٌ من أشكال اللعب الضروري للمجتمع البشري.
وتقف هذه (القراءة) عند (رفع الستار: كتابة المخطوطة)، وهو أحد فصول الكتاب المهمّة التي ترى أنّ الشخصيات عند (بيكت) تعرف أنّ المخطوطة أشبه بماكنة أي بديلة للمصير، وأنّ المخطوطة توجد ضمن مخطوطة أخرى، وهذه الأخيرة توجد ضمن مخطوطة أكبر نهائية، وأنّ الفكرة الرئيسة لكتابة مخطوطة متضمنة داخل الرواية هي استقصاء علاقة المسؤولية الأخلاقيّة والجماليّة في النص الروائي.
إنّ حضور (المخطوط) المتعدّد الأشكال في الرواية المعاصرة دليلٌ على رغبة المؤلف، أيّا كان في تحديث أسلوب الكتابة، وهي تتجاوز الشكل القديم القائم على السرد المحض إلى أسلوب تجريبيّ جديد يرتضي لنفسه أن يكون سبّاقا إلى تبني معايير كتابة تسعى إلى الاندماج مع كتابات أخرى ذات نفس سرديّ، مستعيرة إيّاه من فضاءات تنسجم وروح الكتابة الجديدة التي تريدها، فضلا عن أنّها – المؤلّفة- وظّفت أيديولوجيا الكتابة التي تؤمن بها توظيفا دقيقا انفتح على قضايا فكريّة، وأخرى اجتماعيّة، ونقديّة ذات بعد اقتصادي مؤثّر.
إنّ رواية (الميتافكشن) عادة ما تحتفظ بتوتر متوازن بين وضعها التخييلي، ورغبتها في خلق وقائع خياليّة، فأشكال (الميتافكشن) تلفت الانتباه إلى حقيــقة أنّ المحاكاة في الرواية ليست محاكاة أشياء موجودة، إنّما هي اختلاق أشياء يمكن أن توجد، ولكنها لا توجد؛ ولهذا يكون بناء النص تخييليّا، بينما لا يكون المؤلف كذلك، وهذا يعني أنّ التخيّل يستحوذ على جماليّات البناء السردي، ويكون علامة فارقة فيه.
أخلص إلى أنّ (الميتافكشن) المصطلح الوافد من منطلقات مرحلة ما بعد الحداثة، وقد أضيف إلى المصطلحات الفاعلة في النقد العربي الحديث، وكان همّه ولمّا يزل الربط بين النصّ المدوّن ونصوص أخرى تحضر في النّص بوصفها صيغا (ما ورائيّة) تأتي من حقول معرفيّة، أو ثقافيّة قريبة، أو بعيدة من فضاء الرواية من دون أن يعمد (المؤلف الروائي) إلى التنويه بأهميّتها، واستراتيجية تفوّهاتها، وهذا ما وجد في روايات عربيّة ليست بالقليلة من أهمها: «لعبة النسيان» لمحمد برادة، و«اعترافات كاتم صوت» لمؤنس الرزاز، وفي السرد العراقي «سابع أيام الخلق» لعبد الخالق الركابي و«كراسة كانون» لمحمد خضير، و«ظلال على النافذة» لغائب طعمة فرمان، و«الخراب الجميل» لأحمد خلف، وغيرها من نصوص مشبعة بالدلالات التي أسهم في تشكيلها المؤلف، و(الميتافكشن) الرابض في متون النصوص المستدعية، سواء أكانت سردا، أم بطلا، أم دلالة يتمحور حولها إشكال ما.

فاضل التميمي/ ناقد وأكاديمي من العراق