هل هي الإسكندرية؟


آخر تحديث: November 8, 2018, 11:19 am


أحوال البلاد

 

الأغلب أنها الإسكندرية، تلك المدينة التي أطلق عليها روبير سوليه اسم «ناري». هو اسم غريب، قليل وغير كافٍ، وهذا ما يحملنا على الظن أنه مستعار. لكن إسكندريتنا هذه قليلة هي أيضا، حسب ما تصف الرواية. فندقان أو ثلاثة فنادق فقط، ثم المرفأ، والفنار. ذلك أن بشر ناري مقتصرون هنا على الطبقة الأرستقراطية المقيمة في فندق مهرجان الذي تحمل الرواية اسمه. كان علينا، توازيا مع تساؤلنا عن الاسم الحقيقي للمدينة، الإسكندرية مثلا، أن نتساءل عن الاسم الحقيقي للفندق، فالرواية تتقدّم لنا بكونها سيرة لفندق شهير كان جامعا لارستقراطيي أبناء الطوائف، من مسلمين ويهود ومسيحيين، كما للسياح المولعين بالمدينة وفندقها، حتى أن بعضهم قرر الإقامة فيها إقامة دائمة.
في ذلك الزمن، البادئ من ثلاثينيات القرن الماضي، كان سكان المدينة المختلفون مقيمين معا. سعداء وإن شعر غير المسلمين منهم بأنهم، حسب الرواية، مواطنون من الدرجة الثانية. بعض هؤلاء ولد في المدينة، أو سبقه إلى سكناها أهله أو أجداده، ولكنه ليس مواطنا شرعيا فيها، ذلك في ما خصّ اليهود أولا، ثم الأرمن، ربما لذلك كان الأولون أول الخارجين، مطرودين، إثر العدوان الثلاثي على مصر في 1956، ثم بعد عقود قليلة تلك، تبعهم الأرمن، ثم كثير من المسيحيين إثر تعرضهم لعمليات التفجير التي قام بها متطرّفون إسلاميون.
ومطابقة لذلك التدرج في المغادرة والرحيل كان فندق مهرجان يغيّر رؤساءه. كان أولهم يهوديا، ثم تبعه في الرئاسة أرمني، ثم مسيحي (لوقا)، وهو الشخصية الأبرز في الرواية والأكثر قربا من الفتى راوية أحداثها؛ ثم، في نهاية المطاف، وقبل أن يؤول الفندق إلى الانهيار، تولاه رجل مسلم مقرّب من محافظ المنطقة. الأكثر كفاءة في إدارة الفندق كان أولئك السابقون، اليهودي والأرمني تاليا. لم يحالف الحظ لوقا الذي أتى من بعدهما إذ لم يعد رواد الفندق هم أنفسهم إثر التأميم الذي أطلق يد السلطة في التدخل وتعيين الموالين لها.

المهم أن الرواية لم تجعل ذلك التدرّج، ملحوقا بتبعاته، غايتها الأولى. فهناك، إلى ذلك، التاريخ التفصيلي بكل ما يتعلّق بالمكان ومتابعة لكل تراجع يطرأ على تلك التفاصيل، من الأثاث إلى أدوات المطبخ إلى لباس العاملين، كما أزياء الرواد، فإلى سائر ما يأتي به تراجع مؤسسة كانت تدار بكفاءة عالية. روبير سوليه، راوية سيرة الفندق، شاهد أكثر بكثير مما يتاح لنزيل فندق أو لمتردّد على أجنحته. في مكان ما يقول إنه بدأ بكتابة الرواية في يفاعته، وهو استمر ملازما للفندق، عيشا وكتابة، حتى تحوله طللا.
ويصعب أن نلمّ بهذا القدر من التفاصيل إن لم يكن موضوع الكتابة محتلا لتلك الأهمية في حياة الراوية. كان الفندق محط أحلام الصبي من قبل أن يضع قدما أولى في داخله، ثم انعقدت له صداقات هناك، ثم غراميات أولى أو أوهام غرامية تجاه نساء يساوين أمه عمرا. زوجتا رئيسي لفندق بهرتاه، أولاهما خصوصا، تلك التي، في يوم أن دُفعت إلى المغادرة مع زوجها، غفلت عن سقوط أحد قرطي أذنيها في جناحها، فالتقطه الولد، وظل محتفظا به حتى بلوغه الخامسة والعشرين وأتيح له لقاء تلك المرأة الفاتنة في باريس، حيث بات يقيم كل منهما.
فندق مهرجان واحد من الأمكنة الحاملة لحنين الماضي كله، شيء مثل فيلم «سينما باراديزو»، أو فيلم «أماركورد» لفليني، أو العشرات، بل ربما المئات من الأعمال السينمائية والروائية. الروائي سوليه حمّل الرواية شغفه بذلك الماضي، رغم معايشته للفقدان، فقدان الآخرين الذي، في ما هو ما يزال يافعا بعد، كان يتعاقب في الذاكرة التي تنمو. في أحيان أصابه ذلك الفقد بسهامه، مع رحيل عائلات الأخوال والأعمام عن البلد، ثم مع وفاة خاله، الأقرب إليه من الباقين جميعهم، مقتولا هناك على طريق كانت في أيام سابقة للفتى طريق أحلامه ولقاءاته الغرامية المبكرة.
هذا العالم الطفلي لم يُترك للشغف والحنين وحدهما، إذ ربما ولّى الزمن الذي كان يمكن للشغف والحنين أن يصنعا، لوحدهما، عملا روائيا. سوليه، الذي تذكّرنا روايته بالأغنيات التي أهدتها المغنية داليدا لمصر، لكون كل منهما عاش قسما من حياته فيها، حمل في روايته انكسار الكوزموبوليتية فيها، واصفا حتى خوفه المبكر المسبق من هشاشة دعائمها واحتمال زوالها، من أن ذلك النعيم الذي عرفته لم يكن له أن يستمر ويبقى، ثم إضافة إلى زوال ذلك العالم، كانت الرواية مرافقة للتحولات السياسية الجارية في مصر، من زوال الملكية، ثم 1952، ثم العدوان الثلاثي، ثم الهزيمة، ثم عهد السادات. هي رواية حنين إذن، لكنها أيضا رواية عاقلة إذ يظهر كاتبها متمكنا من مجرياتها، كما من بنائها أيضا حيث، في صفحاتها الأخيرة على سبيل المثال، أبقى قرّاءه مشدودين إلى النهاية التي لم تغفل عن شخص أو شيء سبق ظهوره، أو وجوده، في الرواية. كانت تلك خاتمة شاملة جمعت كل شيء في نبرتها الحزينة، لكنه الحزن الجميل المؤاخي للتذكّر.
*رواية «فندق مهرجان» لروبير سوليه كتبت بالفرنسية وقد نقلها أدونيس سالم إلى العربية عن دار نوفل، في 279 صفحة.

حسن داوود/  روائي لبناني