في انتظار «غودو»


آخر تحديث: November 7, 2018, 12:51 pm


أحوال البلاد
بقلم: د. يوسف الحسن

أمضيت أكثر من ثلاثة عقود، منشغلاً في بحث الأساطير «الإسرائيلية»، والمفاهيم الصهيونية لما يسمى بالحقوق التاريخية لليهود في فلسطين. فضلاً عن دراسة موروثات تاريخية ملتبسة، في العهدين القديم (التوراة) و(الجديد)، حول جغرافية بعض الأنبياء. والحركة الأمريكية الأصولية الإنجيلية اليمينية، صاحبة ومؤسسة شعار «فلسطين أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض»، والمؤمنة بضرورة العمل على (إعادة) اليهود إلى فلسطين والقدس بالذات، تمهيداً «للعودة الثانية للمسيح» عليه السلام.

أسئلة الأساطير «الإسرائيلية»، ظلت مفتوحة عبر الحقب، وتعاقب الكوارث على فلسطين وما حولها من جغرافيا، وضعف الاستجابة العربية غير الفاعلة لها. واستفحال السجال عن عدد «الملائكة أو الشياطين على رأس دبوس فلسطيني»، في وقت تتسرب فيه الأرض الفلسطينية، وقدسها، من أيادينا جهاراً نهاراً، بالاستيلاء والعزل والتهويد والقضم والإحلال، وتغيير مرجعيات القرارات الأممية، واعتماد لعبة ملتبسة اسمها «عملية السلام»، ولا تعني سوى أنها مسيرة مفتوحة بلا نهاية، وبلا بوصلة، بئر بلا قاع.

نخطئ اليوم، وبعد أكثر من سبعين عاماً، من إقامة «إسرائيل»، حينما نستحضر إعلامياً، وسياسياً، أطروحات سطح المشهد، من توراة أو أسفار موسى، أو من كتبها، أو حتى ماذا كان اسم فلسطين في التوراة (أرض كنعان)، أو عن جماعات يهودية عاشت هنا أو هناك، في يثرِب أو هرمز أو الكويت، واليمن، وجنوب العراق أو حتى في البحرين، ومسقط ومطرح وصحار، كما يقول الرحالة والمؤرخون من أمثال الدنماركي (نيبور)، و(باكنغهام)،..إن هذا الاستحضار يضاعف إرباك الناس، ويؤدي إلى تعثر القراءة الموضوعية للمشروع الصهيوني الاستيطاني التوسعي، في هذا الزمن العربي المضطرب، وإلى مزيد من الإحباطات، التي ترسخ الاستسلام للظلم، وتزيد حدة مشاعر اليأس، وتقدم هدية ثمينة لكل قوى التشدد والغُلو والعنف، ولقوى إقليمية تنتظر المزيد من الانهيارات في الجسم العربي المثخن بالجراح.

في عمق المشهد، هي قضية وطن محتل، وحقوق بشر، في مواجهة ظلم وقتل وتشريد، وانتهاك لحقوق وحريات ومصير ملايين من العرب، وهي قضية سطو وطمس للهوية، واختلاق تاريخ، واستبدال سكان بسكان آخرين، وطرد جماعي وتطهير عرقي، وطاووس نووي أوحد في الشرق الأوسط، ومكر غير مسبوق، وغطرسة فائضة، وتجاهل للقانون الدولي وللقرارات الأممية، وحضور فج لعقلية (الغيتو)، المسكونة دوماً، بالخوف وتهجس بالأمن والتوسع، وتغامر في وضع الجماعات اليهودية في عداء مستمر مع العالم العربي في المستقبل، وترفض الاندماج في المجتمعات، وتملك المهارة الفائقة في ابتزاز الآخر، وعقد الصفقات الملتبسة. واللعب في الفراغات، واستثمار عقدة الاضطهاد، والظهور دوماً بلباس الضحية، لكن الضحية القوية في آن.

وفي المقابل، ومن سوء الطالع، أن القضية الفلسطينية، تعيش مأزقاً خطيراً في الوقت الراهن، وشواهده كثيرة، وعلى رأسها، أزمة نظام سياسي فلسطيني مرتبك ومقسم، ولا يملك رؤية متماسكة، ونخب سياسية تيبَّست، وفقدت صلاحيتها، وغابت عنها الرؤية، واستوطنتها خيارات تراوح ما بين السيّئ والأسوأ، وصار حالها يشبه إلى حد كبير، حالة المراوحة أو الحوار الدائري الذي لا ينتهي، في مسرحية صموئيل بيكيت الشهيرة (في انتظار غودو)، والتي كتبت قبل أكثر من ثمانين عاماً، حالة الانتظار الدائم، لوقوع حدث لا يُعرف، بحيث يستمر أبطال المسرحية في النقاش والحوار، والألعاب البعيدة عن المجرى الرئيسي للأحداث. ومن بين هذه الألعاب، لعبة المفاوضات الراقصة، التي يظن كثيرون أنها ستغير موازين القوى.

وفي الوقت نفسه، هناك انحلال عربي شبه شامل، وغرق في رمال حروب وإرهاب عابر للحدود، ومنظمة إقليمية مشلولة، وارتفاع متسارع في منسوب صعود يمين فاشي في العالم، يملأ الفضاء الدولي بالكوابيس، في الاقتصاد والسياسة والعسكرة والتقانة المنفلتة من عقالها الإنساني، ومخاطر البيئة والإرهاب والحروب الساخنة.

لا أدري لماذا تذكرت، في هذه الأيام، المرحوم كلوفيس مقصود، حينما كتب مقالاً في جريدة «الحياة» اللندنية، عشية انعقاد قمة (عرفات ورابين وكلينتون) في سبتمبر/ أيلول 1993. وبحضور عدد من وزراء الخارجية العرب، الذين كانوا في ذلك الوقت يشاركون في افتتاح دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان عنوان المقال «إلى الضيوف العرب، إذا كان لا بد من صورة مع رابين، فعلى الأقل تجنبوا الابتسامة».

 

عن جريدة "الخليج" الإماراتية