الكل يلهث خلف حماس ولا أحد يريدها


آخر تحديث: November 7, 2018, 12:22 am


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير محمد عابد

لقد بات من الضروري الآن حسم الموقف بشأن ما تريده حماس لنفسها في المستقبل القريب للقطاع , أمر أساسي في رسم مسار الأحداث، هل تريد حماس  دولة في غزة أم حركة مقاومة في القطاع ؟، إذ إن إحداهما ستكون على حساب الأخرى في غالب الأحوال, لان محاولة الجمع بين الحكم والمقاومة وصلت إلى طريق مسدود.

لو تحدثنا عن دولة في قطاع غزة سنجد أنه ومنذ تولي حماس السلطة الفعلية في القطاع تداخل مكون الدولة بمكون حركة التحرر، علما بأن مكون السلطة ذو تأثير بالغ, إذ إن تولي فئة من الشعب السلطة له تأثيرات على المكانة الاجتماعية والمادية لهذه الفئة، وهو أمر تلقائي الحصول غالبا، وتزداد حدته إذا ما حصل انتقال السلطة في ظل استقطاب سياسي واجتماعي حادّ، كالذي يسود الساحة الفلسطينية غالبا.

ومن غير المتوقع أن تتنازل أي فئة تشكّل عصبية الحكم عن موقعها بسهولة، إلا أن خيار الشراكة أسهل قبولا، ولكنه يواجه برفض من عباس , وهنا فإن من يريد أن يصل إلى حل يقلل معاناة غزة ينبغي عليه أن يطرح حلولا منطقية تتضمن تطميناً لمختلف الأطراف, وليس فرض شروط تبدو وكأنها اتفاقية إذعان عقب خسارة أحد أطرافها الحرب!, وعلى الصعيد النظري, فإن إدراك محدودية منافع السلطة تحت الاحتلال وتناقضها مع العمل المقاوم، ينبغي أن يعزز توجه حماس نحو التخفف من مسؤوليات السلطة مع كل تبعات ذلك ,وهذا أمر صحيح عموما, إلا أن حماس ترى أن محاولاتها للتخفف من مسؤولية الحكم لا تنجح، إذ تتفق مصلحة  عباس وإسرائيل على إبقاء حماس في ورطتها، لعل ذلك يدفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية أو ارتكاب أخطاء تلحق بها ضررا كبيرا.

ولذلك ينبغي أن يبقى الخيار الأصيل ,الذي ينتظر توفر الظروف المناسبة لتحققه, هو حالة مقاومة فاعلة في غزة لا تتولى الحكم، وهو ما راهنت عليه قيادة حماس وبعض الفصائل في غزة ,ولكن هذا الخيار لا يريده أحد في الإقليم حالياً , وأصبحت حماس بين خيارات أولها التوجه للمصالحة بشروط عباس ,الخيار الثاني وهو تقديم تنازلات سياسية إن حركة حماس لا تريد ولا تستطيع تبني خيار كهذا, إذ إن أي تنازلات تمسّ ثوابتها ستشرذم الحركة وتحط مكانتها السياسية، ثم إنها في نهاية المطاف,لن تحصل على تنازلات مماثلة لما حصلت عليه حركة فتح، وذلك لأن البيئة السياسية أسوأ، إذ إنها بيئة تصفية للقضية الفلسطينية وليس بيئة حلٍّ لها , الخيار الثالث وهو توجه حماس لحرب مع العدو الصهيوني وذلك لفتح  ثغرة في جدار السياسة المسدود، إلا أن كلفتها ستكون أعلى من سابقاتها على الطرفين، وذلك لتزايد قدرات المقاومة ولحجم العدوان المتوقع في المقابل، علاوة على أن البيئة السياسية الإقليمية البالغة السوء ستعطي الاحتلال حرية حركة أكبر مما كان عليه الحال في المواجهات السابقة، والأهم من ذلك أنها ستمنع تحقيق ثمار سياسية معقولة في نهاية المعركة,الخيار الرابع وهو اللعب على حافة الهاوية, وذلك باستمرار التصعيد الشعبي والرد عسكريا على الاعتداءات غير المتعلقة بالاقتراب من السياج الفاصل، وهو أمر ممكن ما دام الطرفان غير راغبيْن في الحرب ولديهما القدرة على ضبط جمهورهما، إلا أنه خيار لا يخلو من المغامرة, وهذا هو الخيار الذي ركضت حماس خلفه وركض الجميع خلف حماس وبدأت العروض تنهال علي حماس من أمريكا وإسرائيل وقطر وتركيا ووفود مصرية وعربية تدخل القطاع وتخرج منه في محاولة لمنع أي تصعيد في قطاع غزة والجميع يلهث خلف إدارة الصراع وليس وقفه , حماس تمتلك وتقوم بعمليات تصعيد، كما يمكنها منع التصعيد وفرض التهدئة، بمعنى أنّ استمرار سياسة إدارة الصراع واحتوائه، تحتاج إرضاء أو تهدئة أو تعاون حماس, أمّا الحكومة الفلسطينية برام الله ، وباقي الفصائل، فلا تملك الكثير لفعله في القطاع، وحتى وقف الرواتب عن موظفي السلطة الفلسطينية في القطاع، لا يخلخل سياسة الحفاظ على الأمر الواقع، أو سياسة الاحتواء، المتفق عليها الآن إقليمياً ودولياً في غزة.

يبدو أنّ إسرائيل وأمريكا تنفذان سياسة الاحتواء في غزة، فالمطلوب حصار حماس داخل القطاع، بل ومد يد المساعدة لها، ولكن بقدر محدود، لتبقى موارد الحياة موجودة، ولكن بالحد الأدنى، أو أقل قليلاً، لتبقى حماس في مستنقع الوضع هناك، حتى لو حقق أفراد منها أو ظنوا أنهم يحققون مكاسب، وطنية، أو حركية، أو شخصية, والنتيجة بعيدة المدى المرجوة إسرائيليا و أميركيا، ليس انهيار حماس فقط، ونموذجها، بل أيضاً أن تنحصر الحركة وهمومها وأولوياتها في القطاع وإدارة الحياة فيه على حساب نشاط الحركة في أماكن أخرى, كما يتحقق هدف آخر هو انهيار الحركة الوطنية الفلسطينية، باستمرار الانقسام.

بتصعيد مسيرات العودة، ورشقات الصواريخ المتقطعة، تهدد حماس والجهاد بتعطيل هذه المعادلة، وتغريم الاحتلال الثمن، ولكن النتيجة هي التفاوض على ثمن التهدئة، ليس إلا، بمعنى أن الموافقة على إدخال الأموال والسولار القطريين، وربما مد مساحة صيد الأسماك المسموحة، وزيادة البضائع وفتح المعابر، هو رفع الثمن قليلاً في عملية التفاوض الجارية، بالسلاح الحي حيناً، والجارية فعلا على مائدة المفاوضات عبر وسطاء حيناً آخر.

ناهيك عن أن مصر، معنية بالهدوء في سيناء بالدرجة الأولى، لذلك تلتقي مصلحتها مع التهدئة في غزة، لئلا ينتشر التهديد منها, وكذلك  قطر وتركيا حلفاء حماس لذلك يستجيبون لمطالبها ببعض الدعم. وحتى لو لم يتم توقيع تهدئة رسمية بين الفصائل في غزة وإسرائيل، بسبب معارضة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي، والوحيد، فهناك حلول جاهزة، من مثل الحديث عن "تثبيت تهدئة 2014"، التي وقعتها المنظمة أو السلطة , ما قد يرفع الثمن الذي يحصل عليه الفلسطينيون كثيراً هو تخريب سياسة احتواء وإدارة الصراع بالقيام بتغيير الأمر الواقع، بتحقيق الوحدة أولاً، وثانيا، ربما البدء بصرف الأرصدة القرارات الدولية والمحلية المجمدة.