طفولة بائسة بين أحضان غرف غسيل الكلي في غزة


آخر تحديث: November 2, 2018, 3:01 pm


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير  محمد عابد

تخيل حجم المعاناة التي يلاقيها مرضي قطاع غزة خاصة الأطفال منهم ,جرّاء فقر عمّقته حالة الحرب والاضطراب وفقدان الأمن والانقسام والحصار والاحتلال , في مستشفيات قطاع غزة نجد أطفال في عمر الزهور ,أجسادهم لا زالت في طور النمو والتشكل ,قد فتحوا أعينهم علي الحياة ليجدوا أنفسهم في المستشفي, بداخل غرفة تملاها الأجهزة وأصوات طنينها , وحالة الخوف التي لا تنتهي ,فأي معاناة كهذه تسحق نعومة الصغار وتسرق طفولتهم الغضة البريئة؟!

لعلّ أكثر الأمراض صعوبة هي تلك التي يعيش خلالها الأهل على أمل الشفاء,أمل إيجاد الحلّ القاطع لمشكلة صغيرهم الذي يعاني, هم مستعدّون للتضحية بأيّ شيء، مهما غلا، حتى يتعافي فلذة كبدهم.

أثناء جلسة غسيل كلى ، صرخات وأنات تصدر من الطفلة رؤى لتحكى قصة وجعها على مدار عشرة أعوام خلف أسوار المستشفى الذي أصبح مأوى لها ، لتلازم سريرها الذي أصبح حاضنة وشاهداً على معاناتها, تلك الفترة ، تبرز تلك الصغيرة الكبيرة رأسها من أسفل بطانية صوفية محاولةً الانكماش على نفسها كالجنين .

من أسفل تلك البطانية يبرز وجهها المنتفخ ,بعينين لا تكاد ترى فيهما سوى بريق سوادهما من شدة الانتفاخ الذي يحدث لها في كل جلسة ، لاصقات دائمة على صدرها ،مشد طبي ملتف حول ذراعها الأيمن ليوارى ذلك الانتفاخ ،تحاول رؤى تحرير قدمها اليمنى خارج البطانية ليمسك والدها بقدمها يجري لها تدليك نتيجة شد عضلي أصابها خلال قيامها بالغسيل.

بترقب ومتابعة يجلس والدها على كرسيه بجانب سرير رؤى ينظر إلى جهاز غسيل الكلى" الديلزة" ,الموصول بجسد ابنته من جهة القلب عبر لاين يتنقل فيها دمها في رحلة تصفية وترشيح لمدة خمسة ساعات متواصلة ، يحاول التخفيف عنها بالتصفيق لها وطمأنتها بأنه كدنا ننتهي كي لا تشعر بالتعب طوال هذه المدة.

حالة "رؤى" هي واحدة من بين 42 طفل وطفلة يخضعون لجلسات غسيل الكلى وتلقي العلاج أسبوعياً داخل مستشفى الرنتيسي للأطفال بغزة، أصبحوا بين مطرقة المرض وسندان نقص العلاج.

الطفلة "رؤى ديب" ابنة ال17 عاما ،خرجت إلى الحياة لتلتقط أنفاسها الأولى في مستشفى الدرة ليس بالمسمى الطبيعي "بيبي" بل بمسمى حالة"Microcephaly" مريضة صغيرة الرأس فهذا المرض عصبي نادر حدوثه يكون فيه رأس الرضيع أقل حجما مقارنة بالأطفال الآخرين نتيحه انغلاق اليافوخ مبكرا ، اكتشاف مرضها كان في الشهر السابع وهي جنين داخل رحم أمها .

لم يكن الأمر مفاجئا بالنسبة لوالدتها فتجربتها السابقة في ابنها محمد ذو الرأس الصغير الذي يكبر رؤى بستة أعوام كانت كفيلة أن تضع للأم احتمالية الإنجاب مرة أخرى بنفس الحالة المرضية "صغر الرأس" .

على ذلك السرير المكسو بالأبيض تجلس الطفلة "رؤى" ذات وزن 18 كجم"أقل من الطبيعي " في حضن أمها فور ولادتها بل في "حاضنة الأطفال " لتلقي العلاج والتعامل مع حالتها بشكل خاص ،حاول والدها إرسالها للخارج لتلقي العلاج في لندن لكن لا يوجد حل علاجي أو جراحي يستجيب مع صعوبة حالتها.

عشرة أعوام من الطفولة تقضيها "رؤى" في المستشفى تصارع المرض بدلا من اللهو واللعب كغيرها من الأطفال فصغر حجم الرأس لديها جعل مناعتها ضعيفة لا تستطيع المقاومة مما خلف لديها التهابات شديدة وحرارة مرتفعة أثرت في قدرتها على النطق والاستيعاب .

بعد سن العاشرة لم تكن تعلم تلك الطفلة ما تخبئ لها الأيام من معاناة أخرى فخلال فترة تواجدها في المستشفى اكتشف الأطباء وجود ماء على صدرها وعدم إمكانية تصريف البول بالشكل الطبيعي ،ما يعني أن رؤى مريضة من جديد لكن هذه المرة "مريضة كلى" .

على إثر ذلك توجه بها والدها إلى مستشفى علياء في الأردن لعلاجها هناك تم تشخيص الحالة على أن إحدى الكليتين لديها حجمها صغير كحجم مولود عمره يوم والأخرى كلية "وهمية " ليست مسمى فعلي للكلية فقط قشور أو غلاف كلية فبعد تشخيصها عاد بها إلى غزة لتبدأ رحلة معاناتها مع أول جلسة غسيل الكلى في مستشفى الرنتيسي للأطفال,على حد تعبيره,منذ ذلك الوقت، ورؤى تعيش معاناة الغسيل الكلوي بمعدل يومين في الأسبوع، في رحلة شاقة يصطحبها والدها من منطقة الشجاعية إلى المستشفى لتبدأ العلاج الساعة الثامنة صباحاً وتنتهي الساعة 12 ظهراً ، اعتادت فيها أن تستيقظ على صفير جهاز غسيل الكلى الذي أصبح البديل الإجباري لها.

مشد مهترئ يغطيه جبس ملتف على ذراعها الأيمن المنتفخ نتيجة تليف الوريد فلا يوجد علاج لحالة ذراعها في قطاع غزة أو الضفة الغربية ، وإغلاق المعابر حرمها من العلاج بالخارج لإجراء عملية لتسليك الوريد .

انتفاخ آخر مفاجئ يهاجم تلك العينان الناعستين بلون أسود براق منذ حوالي ستة أشهر إضافة إلى الانتفاخ الذي يحدث لعينيها أثناء جلسة الغسيل فسبب فجائية الانتفاخ هو وجود ماء بيضاء يشكل غشاء على عدسة العين فيصبح لديها تشويش في وضوح الرؤية فعينها اليمين تحسنت حالتها تقريبا بعد عملية أجريت لها ولكن عينها اليسرى تنتظر بصيص أمل لإجراء عملية أخرى لها .

تكاليف علاج رؤى فاقت دخل والدها إضافة إلى شقيقها "جميل" الذي يعاني نفس حالتها أرهق كاهل والدها كونه موظف سلطة متقاعد ،اضطره لمد يد العون من المؤسسات الاجتماعية دون جدوى.

علي الجانب السرير المجاور تجد الطفل أسامة جندية , ذو العشر أشهر ,يرقد بين ماكينات الديلزة , يفتح عينيه ليجد نفسه في عالم غريب غير عالمه بين أهله و ذويه و سريره الذي يحويه.

بين صفير ماكينات الديلزة وصراخ وأنات المرضى الأطفال داخل قسم الغسيل الكلوي بمستشفى الرنتيسى للأطفال، تترقب "أم مالك" أنفاس رضيعها بحذر فتقول :"منذ الأسبوع الأول لولادة أسامة, بدأت أعراض غريبة تظهر على جسده أبرزها بقع تميل إلى الزرقة أسفل قدمه يصاحبها انتفاخ جزئي ,ظنت في بدايتها أنها من أثار تطعيم الأسبوع الأول للمولود و لكنها بدأت بالانتشار".

و تضيف وبجانبها طفلها بعينيه الذابلتين وتلوح يمينا ويسارا وكأنه يسمع لسيناريو معاناته :"توجهت به إلى أقرب مستشفى حيث أجرت الطواقم الطبية له عدة فحوصات بينت بأنه يعانى من تهريب في بروتين الكلى,صدمة كحجم السماء أصابتى من هول الخبر , خاصة و أنى كنت أراجع دوما في العيادة الخارجية للمستشفى أثناء الحمل ليخبرني بأن جنيني بخير وولادته طبيعية ، إلى أن جاء للدنيا لتنتظره عذابات غير متوقعة "

تستطرد "أم مالك" وهى تسرح بذاكرتها إلى الوراء عشرة شهور ,قائلة"تم تحويل أسامة إلى مستشفيات الداخل المحتل لإجراء فحوصات جديدة ،لتؤكد لها مرة أخرى أن رضيعها مصاب بالفشل الكلوي ليتم تركيب لاين له لتبدأ رحلة عذابه بأول جلسة غسيل دموي ، مشيرة إلى أن حالته كانت حرجة للغاية والأمل ضعيف في استمرار حياته وفق قولها.

قضاء و قدر رضيت به "أم مالك" لكنها لم تتمالك مشاعرها التي تفيض بالحزن و البؤس على طفلها الذي يحتمل عذابات بشبه يومي خلال جلسات الغسيل الكلوي ثلاث مرات أسبوعيا بمعدل ثلاث ساعات متواصلة,و في بعض الأحيان لم يستكمل عملية الغسيل كون جسده النحيل لا يحتمل الألم ,فيبدأ في الاستفراغ ويكتسي وجهه اللون الأصفر و علامات الشحوب والهزال ترافقه حتى بعد عمليات الغسيل .

بين مطرقة المعاناة و سندان نقص الأدوية , توضح "أم مالك" أنها تقوم بشراء أدوية رضيعها من الصيدليات كونها غير متوفرة في صيدلية مستشفى الرنتيسى كأدوية الكالسيوم و الضغط بنوعيه ونقص الفلاتر ،و أيضا دواء (كيبرا ) للتشنجات كون رضيعها يعانى من تشنجات بين الحين و الآخر نتيجة وصول الماء إلى دماغه ,حسب تعبيرها ,والذي يكلفها 250 شيكل .

مشاعر تعجز الأم عن وصفها و أنفاسها تحتضر مع أنات فلذة كبدها حينما تحدثنا بأن رضيعها يتناول عشرة أصناف من الأدوية كل صباح ,بدلا من كأس حليب و غذاء صحي يروى ظمأ جسده النحيل و الهزيل الذي لا يتجاوز 3.5 كجم وبحجم مولود حديث الولادة , و ما يزيد الطين بله وفق قولها ,بأنه يعتمد على حليب خاص في غذائه هو "السيميلاك 60/40 ,والذي يتوفر بعد عدة مناشدات من والده ,كونه غير متوفر في قطاع غزة وباحتياج شهري يصل 4 علب شهريا.

تتمنى أم مالك في نهاية ذلك الحديث المأساوي أن يتم زراعة كلى لطفلها لكن الأمل بعيد المنال ، لصغر وزنه وعمره ، لكنها تتمنى أن تتوفر أدويته بشكل منتظم حتى تحافظ على تبقى من أنفاس لذلك الصغير الذي لا ذنب له سوى أنه ولد بمرض فشل كلوي يلازمه طوال حياته.

من جانبه يؤكد مدير صيدلية المستشفيات بوزارة الصحة بغزة د. علاء حلس على أن مستشفيات وزارة الصحة تعانى نقصا حادا في أدوية مرضى الكلى الذي يصل عددهم إلى 800 مريض فشل كلوي ، إلى جانب مرضى الكلى المزمن الذين يعانون من مشاكل في الكلى ،أبرزها أدوية الكالسيوم والتي يحتاجها مرضى الفشل الكلوي بشكل ضروري، إضافة إلى أدوية الأمراض المزمنة خاصة الضغط الذي يعاني منه معظم مرضى الكلى.

وأضاف د. حلس أن هناك نقص حاد في حقن تقوية الدم "هرمون إريثروبيوتين-Erythropoietin" التي يحتاجها مريض الفشل الكلوي بعد الجلسات ليتمكن من ممارسة حياته بشكل طبيعي وهو غير متوفر في أي مكان آخر، إضافة إلى نقص في عقار "فينوفير" المقوي للدم، والذي حرم منه مرضى الكلى المزمن و اقتصار صرفه لمرضى الفشل الكلوي الذين يخضعون لجلسات الغسيل.