أربعة أحداث إسرائيلية صغيرة… تكشف حقيقة كبيرة!


آخر تحديث: October 18, 2018, 5:36 pm


أحوال البلاد
بقلم: عماد شقور

موضوع اليوم يمتد على أربع فقرات، تتعلق بخبرين وبتقريرين صحافيين، وكلها من الصحافة الإسرائيلية، خلال ثلاثة أيام من أسبوعنا الحالي:

ـ الفقرة الأولى، (ومصدرها هو ملحق جريدة «هآرتس» الإسرائيلية، لعدد يوم الجمعة الماضي)، تتعلق بتقرير صحافي طويل، خصصته لمجزرة كفر قاسم الرهيبة، التي ارتكبها جنود من الجيش الإسرائيلي، ليلة بدء العدوان الثلاثي على مصر يوم 29.10.1956 بقتلهم خمسين رجلا وامرأة وطفلا وعجوزا من قرية كفر قاسم، وهم في طريق العودة من قطف الزيتون إلى بيوتهم، قبل ساعة من بدء منع تجوّل فرضته إسرائيل على كفر قاسم، ثم قدّمته ساعة دون إبلاغ أهل القرية بذلك. وتشاء الأقدار أن تكون إحدى الضحايا امرأة حامل، قتل الجنين في رحمها، ليصبح عدد الضحايا واحدا وخمسين ضحية في خمسين قبرا.

سبب نشر هذا التقرير الصحافي، قرب صدور كتاب للمؤرخ الإسرائيلي أدام راز، الذي تقدم إلى محكمة الاستئناف العسكرية، مطالبا إياها بإصدار حكم بفتح ملفات وتقارير حول تلك المجزرة، ما زالت محظورة حتى اليوم، وبعد 62 سنة على وقوعها.

كشف التقرير الصحافي وجود خطة للجيش الإسرائيلي، أقرها، (وربما أمر بها)، رئيس حكومة إسرائيل، ووزير الدفاع فيها، دافيد بن غوريون، هي خطة «حفَرْفيرِت»، التي تعني «الخُلد» أو «الفأر الأعمى»، (الذي يعيش في أنفاق تحت الأرض يحفرها بمخالبه وأسنانه القوية، ويقتات على الحشرات والديدان وجذور النباتات التي تموت بقطع جذورها طبعا). خطة «حفرفيرت» هذه كانت تقضي بالعمل على طرد الفلسطينيين في منطقة المثلث من بيوتهم وقراهم إلى الضفة الغربية، التي كانت جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية، ليصبحوا لاجئين فيها، وذلك «فور اندلاع حرب مع الأردن». لم تندلع الحرب مع الأردن، لكن إسرائيل بادرت إليها مع بريطانيا وفرنسا، ولم ينفّذ من «حفرفيرت» إلا المقدمة فقط.

هذه العقلية الإسرائيلية الإجرامية الموبوءة، ما زالت قائمة في رؤوس العديد من القيادات الإسرائيلية الحالية، بل وتزداد تعفناً وعنصرية.

ـ الفقرة الثانية، (ومصدرها هو صفحة «واي نِت» المنبثقة عن جريدة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، قبل ظهر الأحد الماضي)، تتعلق بإلغاء المغنية النيوزيلاندنية العالمية الشهيرة، لورد، إقامة حفلة في تل أبيب في الصيف الماضي، ومقاطعة إسرائيل، استجابة لرسالة من السيدتين النيوزيلانديتين، اليهودية: جاستين ساكس، والفلسطينية: ناديا أبو شنب، ومن نشطاء حركة بي دي اس لمقاطعة إسرائيل بسبب عنصريتها واستعمارها.

ملخص الموضوع هو أن ثلاث فتيات إسرائيليات، رفعن دعوى في محكمة في تل أبيب، طالبن فيها بالتعويض عليهن، من السيدتين ساكس وأبو شنب، جرّاء تحريضهما ومسؤوليتهما عن التسبب بحرمانهن من الاستمتاع بحفلة المغنية لورد، والتي أُلغِيَت بسبب ذلك التحريض.

صباح الأحد الماضي، أصدرت المحكمة في تل أبيب، حكما بإلزام السيدتين: ساكس وأبو شنب بالتعويض على الفتيات الإسرائيليات الثلاث بمبلغ 45 الف شيكل إسرائيلي، أي ما يعادل 12 إلى 13 ألف دولار أمريكي.

قبل ظهر نفس يوم الأحد الماضي، بدأت السيدتان جاستين ساكس وناديا أبو شنب، حملة جمع تبرعات، وخلال الساعات الأولى فقط، جمعتا مبلغ 9000 دولار، معلنتين أنهما سترسلان ما تجمعان، تبرعا لمؤسسات إنسانية ونسائية في قطاع غزة.

ـ الفقرة الثالثة، (ومصدرها الصفحة الإلكترونية لجريدة «هآرتس» الإسرائيلية، بعد ظهر الأحد الماضي)، تتعلق بشاب يهودي إسرائيلي من تل أبيب، عضو حزب الليكود اليميني، اسمه ليؤور فاكنين، ويعمل في مجال الهايتكنولوجي، والذي غادر إسرائيل، مثل آلاف غيره، إلى الولايات/الدول الأمريكية المتحدة، سعيا وراء الانطلاق إلى أسواق أوسع وأكبر.

يقول فاكنين هذا، أنه لاحظ وهو هناك، أن ما يراه الأمريكيون هو صورة مشوهة عن إسرائيل، فقرر التخلي عن أحلامه في العمل في مجال التكنولوجيا، واشترى كرفانا متواضعا، وقرر التجول وزيارة الخمسين ولاية/دولة أمريكية، ليحدِّث كل من يريد الاستماع، عن إسرائيل وعدالة قضيتها. لكنه عندما وصل الولاية/الدولة الـ34، بعد 13 شهرا على انطلاقه، وحسب قوله، فقد «فُتحت عيناه على الحقيقة»، واكتشف أنه لم يعد قادرا على الاستمرار في حملته، وأن «الوضع في إسرائيل أصبح لا يطاق»، وأنه لم يعد قادرا على الاستمرار في إقناع الأمريكيين بعدالة المواقف والتصرفات الإسرائيلية، ونشر ذلك على صفحته في الفيسبوك يوم 21.7.2018.

ـ أما الفقرة الرابعة والأخيرة، (ومصدرها هو صفحة «واي نِت» المنبثقة عن جريدة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، مساء الأحد الماضي)، فتتعلق بسفيرة إسرائيل لدى فرنسا، عليزا بن نون، التي بعثت برسالة إلى قناة «فرانس 2»، تطالبها فيها بعدم بث تقرير تلفزيوني بعنوان «غزة ـ شباب معاق»، (عن مأساة الشباب في غزة الذين تبتر سيقانهم جراء إصاباتهم برصاص قناصة الجيش الإسرائيلي، وهم يمارسون حقهم بالمشاركة في مظاهرات سلمية، فتنقطع أحلامهم، ويعانون مدى الحياة، ويصبحون معاقين، وعالة على عائلاتهم ومجتمعهم). وبررت السفيرة الإسرائيلية مطالبتها هذه، بدعوى أنه «تقرير غير متوازن، يظهر إسرائيل بشكل سلبي، ويتسبب بالتحريض ضد اليهود في فرنسا، وإلحاق الضرر الجسدي بهم». وذلك بعد أن بثّت القناة مقتطفات فقط من التقرير، من باب الترويج له، وقبل أن تبُثّ التقرير كاملا.

لم تستجب قناة «فرانس 2»، وبثت التقرير، فما كان من سفيرة إسرائيل إلا أن نشرت نص رسالتها للقناة الفرنسية، ومطالبتها بعد البث.

أدّى هذا التدخل الإسرائيلي الفج، ضد حرية الصحافة في فرنسا، إلى موجة فرنسية عارمة، من الاستنكار والشجب والرفض، في الصحف ووسائل الإعلام الفرنسية، معتبرين أن اسرائيل «لا تلحق الضرر بالفلسطينيين وتسيء لهم فقط، بل تتدخل محاولة فرض رقابة، ومنع حرية التعبير عن الرأي في فرنسا» حيث يعتبر هذا الأمر قيمة عليا في سُلّم القِيَم الفرنسية. وزادت جريدة «ليموند» الفرنسية على ذلك، «أن أحدا من العاملين في السفارة الإسرائيلية في باريس لم يرَ التقرير قبل بثِّه، وتجاهلوا أن التقرير تضمن مقابلة مع المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة الفرنسية، تحدث فيها عن «الإرهاب» الذي يمارس من غزة».

أخيرا: هذه هي صورة إسرائيل القبيحة في العالم، وفي إسرائيل ذاتها، وهكذا تنعكس هذه الصورة في الصحافة الإسرائيلية.

 

عن جريدة "القدس العربي" اللندنية