الزيتون الفلسطيني يجسِّد الصمود


آخر تحديث: October 17, 2018, 1:02 pm


أحوال البلاد
بقلم: نبيل سالم

بين حين وآخر تطالعنا الصحف ووسائل الإعلام،بأخبار متكررة حول إحراق قطعان المستوطنين، لأشجار الزيتون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وآخر هذه الاعتداءات إقدام مجموعات من المستوطنين «الإسرائيليين»، بتدمير مئات أشجار الزيتون والكرمة في مناطق مختلفة بالضفة الغربية والقدس المحتلتين، وذلك تحت حراسة قوات الاحتلال «الإسرائيلي» التي وفرت لهم الحماية خلال اقتلاعهم الأشجار أو تجريفها وقطعها..

وترافق ذلك مع عربدة مجموعات المستوطنين، بمساعدة قوات الاحتلال التي تواصل التضييق على المزارعين مع بدء موسم قطف الزيتون.

وشملت الاعتداءات «الإسرائيلية» الجديدة أراضي في محافظة قلقيلية، حيث اقتلع المستوطنون عشرات الأشجار، وسرقوا محصول ثمار زيتون عشرات الأشجار أيضاً، وكما هو الحال في قلقيلية تعرضت محافظة نابلس لهجوم مماثل من المستوطنين، قطعت خلاله عشرات الأشجار أيضا وسرقت ثمار أكثر من مئة شجرة زيتون، كما طالت اعتداءات المستوطنين بلدة الخضر جنوب بيت لحم، حيث قامت مجموعة من المستوطنين باقتلاع وتدمير نحو أربعمئة شجرة عنب وزيتون، في حين اقتحم العشرات من عناصر جيش الاحتلال برفقة مجموعة من موظفي ما يسمى «سلطة الطبيعة»، أراضي في حي واد الربابة في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، واقتلعوا الأشجار منها قبل مغادرتها.

وعلى الرغم من أن هذه الممارسات الإجرامية ليست جديدة على الاحتلال «الإسرائيلي»، وأنها تندرج في إطار الحملات القمعية الهادفة للتضييق على الشعب الفلسطيني، إلا أن استهداف الأشجار في الأراضي الفلسطينية، ولا سيما أشجار الزيتون، له معانيه الخاصة، والتي تتعلق بفلسفة الحركة الصهيونية، حيث يرى المحتلون «الإسرائيليون»، أهمية بالغة للأرض والزراعة في تجسيد العلاقة بين الأرض والإنسان، وهو أمر يلاحظ بوضوح منذ بدايات الهجرة اليهودية الأولى إلى فلسطين، والتي جاءت بتشجيع الاستعمار البريطاني آنذاك، حيث عمد الرعيل الأول من المهاجرين الغزاة من اليهود إلى فلسطين، بالاهتمام بما يسمى بالكيبوتسات الزراعية، وذلك بغية تحقيق هدفين أساسيين، أولهما خلق رابط قوي بين اليهودي القادم من أوروبا، وغيرها من مناطق العالم، والأرض الفلسطينية المحتلة، ذلك أن الفلاح، هو أكثر من يعرف قيمة وأهمية الأرض، أما الهدف الثاني فهو الاستيلاء على مصادر الثروة الزراعية في فلسطين،التي اشتهرت تاريخياً بخصب أراضيها، وتنوع إنتاجها الزراعي.

ويدرك المحتل «الإسرائيلي»،عمق العلاقة بين الشعب الفلسطيني وأرضه، ولذلك فإن جل ما يسعى إليه، هو خلخلة هذا الرابط القوي بين الإنسان الفلسطيني، صاحب الحق التاريخي في فلسطين وأرضه، ناهيك عن أن استهداف الأراضي الزراعية الفلسطينية، يعني إضعاف الاقتصاد الفلسطيني، الذي تساهم الزراعة بنسبة جيدة فيه، قد تصل إلى 15% من إجمالي صادرات فلسطين إلى الخارج، هذا بالإضافة إلى مُساهمة الزراعة في تشغيل الأيدي العاملة الفلسطينيّة، وقدرتها على تحقيق نسبة عالية من الاكتفاء الذاتي الفلسطيني.

ونلاحظ هنا أن الاعتداءات التي يقوم بها المستوطنون «الإسرائيليون»، تتماشى وسياسة الاحتلال «الإسرائيلي»، في السعي لمصادرة مصادر المياه الطبيعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتوفير هذه المياه للمستوطنين، وهو ما يعني أن الزراعة الفلسطينية تواجه حرباً حقيقية من قبل الاحتلال ومستوطنيه العنصريين، بحيث تبقى دائماً تحت مطرقة المستوطنين المغالين في العنصرية، وسندان الاحتلال الذي يحاصر الزراعة من خلال سرقة مصادر المياه الفلسطينية، حيث تمكن الاحتلال من حفر مئات الآبار على امتداد ما يسمى بالخط الأخضر.

وساهمت هذه السرقات المائية في اخضرار مساحات شاسعة في النقب المحتل، على حساب تراجع ملحوظ في مستوى الإنتاج الزراعي الفلسطيني، في حين تشير الكثير من الإحصائيات إلى أن الاحتلال كسب عشرات المليارات من الدولارات كغنائم بسبب سرقته للمياه الجوفية العربية والفلسطينية، وهي أموال يستثمرها في توسيع الاستيطان في الأراضي المحتلة.

أمام كل هذه الوقائع يمكننا القول إن الاحتلال العنصري الإجلائي «الإسرائيلي» ومستوطنيه يشنان حرباً حقيقية على الزراعة الفلسطينية، وبالتحديد أشجار الزيتون، التي ترتبط مباشرة بالوجدان الشعبي الفلسطيني، حتى غدت شجرة الزيتون، المنغرسة في عمق التراب الفلسطيني، تجسيداً لإصرار الشعب الفلسطيني على التمسك بأرضه وصورة من صور الصمود في وجه الاحتلال.

 

عن جريدة "الخليج" الإماراتية