هل اللغة أداة تواصل حقا


آخر تحديث: October 12, 2018, 1:54 pm


أحوال البلاد

 

لا تختلف حاجة أي منا إلى الاتصال والإبلاغ أو الإبانة والإيضاح، عن حاجة أي من الناس. بل نحن البشر نستخدم أحيانا اللغة استخداما خاصا، أو غير مألوف، قد لا يحقق ضرورة الاتصال الذي ننشده. والاتصال سواء كان بين شخصين أو أكثر، إنما يقتضي جملة شروط ويمكن أن يتعطل ما لم يستوفها المتكلم أو المتلفظ، كلها أو بعضها.
على أن لهذه الشروط في حال «الخطاب المزدوج» أو التعبير الكنائي المحكوم بنوايا ومشاعر دفينة؛ شأنا مختلفا عن قرينه في الكلام العادي أو في اللسان المتداول. ومن المفيد في هذا السياق الذي نحن فيه، أن نشير إلى أن بين هذين المصطلحين: التعبير والاتصال فروقا ينبغي أن لا نغفلها. ولنا أن نتميزها من خلال أمثلة بسيطة، عسى أن نتبين حيث يتلاقى كل من الكلام العادي والكلام غير العادي (الشعري) وحيث هما يتفارقان.
من هذه الأمثلة التي ساقها مؤلفو «دليل التعبير الشفوي» (بالفرنسية) أن يقول المتكلم لجليسه: «أنا بردان؟ ألا تغلق الباب؟» وهو بهذا إنما يشعره بأنه بردان أو أن جسده لا يتحمل البرد. ومقصده الظاهر أن يخبره بأن درجة الحرارة منخفضة، وأنه سريع التأثر بالبرد. أما إذا تعثر في كلامه، ولم يفصح وارتعش فإن جسده ـ في هذه الحال ـ هو الذي يعبر ويؤدي بطريقته ما يؤديه الكلام. ويمكنه من ثمة أن يكتفي بالتطلع إلى دثار أو لباس؛ فهذه علامة أخرى، أو دليل أو مرشد بما أنه يخبر عما يروم المرسل التعبير عنه، ويفيده دونما حاجة إلى الكلام. وفي هذه الحال أو تلك فإن الجليس يدرك مقصد صاحبه، ويقوم بما هو متوقع منه، كأنْ يغلق الباب، أو يأتي بدثار أو لباس. وعليه ينعقد الاتصال بين الطرفين.
أما إذا انتقلنا إلى أشكال أخرى من التعبير أو الخطاب المزدوج كما سلف، وما إليها، فإننا ننتقل إلى حوامل وسيطة، إذ ثمة تعبير عن إحساس أو انفعال أو معرفة، يستشعره القارئ أو السامع أو المتفرج، أو هو يفهمه أو يدركه، إما في الحال أو بعد ذلك بزمن. وقد يتناسب مع الكلام طردا، وقد يتناسب عكسا. ومهما يكن فإن على الآخر، لكي يستوعب دليلا ما؛ أن يكون يقظا مهيأ، أي أن يكون شاهدا أو حاضرا. بيْد أن الاتصال بين الطرفين، لا ينعقد إلا إذا أدرك الثاني ما ينشد مخاطِبه أن يدركه من كلامه، أو مما أشار إليه غير عامد أو غير قاصد.
لقد دأبنا دائما على القول إن اللغة من حيث هي منظومة من العلامات والرموز التواضعية الاصطلاحية، أي التي تواضع عليها الناس؛ شكل من أشكال الاتصال. والاتصال لا يقتضي من السامع قدرة على الفهم وحسب، إذ لا بد من» تفاهم» أو تعاقد ضمني بينه وبين مخاطبه. ووسيلته إلى التدليل على ذلك، صمته أو صوته أو جسده، إلى ذلك من عبارات مأثورة مثل: «مفهوم» و«نعم» و«صحيح» و«مضبوط». بيد أنه إذا كان المتلقي يستخدم التعبير نفسه أو الأداة نفسها التي يستخدمها المتكلم، لكي يعيد صياغة الرسالة، فهذا لا يسوق حتما إلى القول إنه استوعبها أو فهمها. فقد لا يعدو الأمر مجرد تذكر أو استذكار.

ينقل المتكلم معنى أو صورة أو موقفا بواسطة الكلام والحركة، ويعبر برسالة هي محصلة علامات منظـمة تنظيما مخصوصا. ويفترض في السامع المتلقي أن يفك الرسالة، ويحوزها وكأنها شيء يخصه. وعلى أساس من هذه الخاصة أو التخصيص أو التملك أو التخييل، يكون تفاعله أو استجابته، بل هو يعبر بتعبير آخر خاص به هو ما يصطلح عليه بـ«المفعول الارتجاعي». والارتجاع يظهر مدى فهم السامع أو مدى وقع الكلام عليه. وقد يدرك المتكلم أن السامع لم يفهم الرسالة كما ينبغي. ومن هنا يمكن أن يـتخذ الخطاب أو الكلام أو الحديث مسارا مختلفا، كأن يعدل المتكلم من طريقته أو من نبرة صوته أو من حركته. فالكلام «المبطن» أو «المزدوج» مثل خطب أهل السياسة وتصريحاتهم؛ شكل خاص من أشكال الاتصال، إذ ينهض من بين الوظائف التي ميزها ياكوبسون بوظيفة مرجعية أو انفعالية أو تنبيهية.
والحق أن هذا التمييز بين الوظائف، في حال الاتصال عامة، نظري أكثر منه واقعا، فمن الصعوبة بمكان أن نفصل بعضها عن بعض؛ أو أن نتفحصها بعيدا عن محتوى الكلام، ذلك أن السامع لا يتلقى الكلمات وهي تتأدى خلوا من المعنى. والمعـنى يتحدد حسب مظهرين: أحدهما إدراكي أساسه معرفة موضوعية، والآخر وجداني انفعالي أساسه التجربة والمشاعر الخاصة، والعلاقة المعقودة بين الطرفين. وهذا لا يسوق إلى القول إن السامعين يتفاعلون معا كما لو أنهم سامع واحد؛ فالمشترك بينهم لا يتعدى»الطابع الاجتماعي» الذي ينهض به أي خطاب؛ إلا في حال الاجتماعات الخاصة أو الاحتفالات؛ فقد تكون محكومة بطقس جماعي حميم، وقد تكون لها دلالات مختلفة: فقد تمثل من حيث هي انعكاس «موسيقي» أو»تنغيمي» للموضوع أو لفعل الأداء نفسه، أو للعلاقة المعقودة بين هذين؛ كأنْ يراوح المتكلم بين «مقامات» وأدوار» فيعلو صوته حيث ينبغي له أن يعلو، وينخفض حيث ينبغي له أن ينخفض، إمتاعا وإفادة أو تأثيرا أو أخذا بالألباب. وقد تمثل من حيث هي تراسل بين العلامة مسموعة والأشياء منظورة تخيلا حيث يرى السامع بدون أن يرى، ويسمع بدون أن يستمع. وقد تمثل من حيث هي تجسيم لعلاقات اجتماعية بين جمهور المتلقين، الأمر الذي يجعل الدلالة تنحصر في الاتصال والفهم. على أن أيا من هذه الدلالات ليس غاية أو منتهى في ذاته، بما أن أي دلالة يمكن أن تنتج دلالة أخرى. ومن نافل القول إن لمثل هذا الخطاب صورا تتنوع وتختلف بتنوع السامعين واختلافهم. من الصعوبة بمكان، في حال الكلام الشفوي المزدوج، أن نفصل لغة الحركة عن الكلام الشفوي. والحق أن كلا منهما يتعلق بالآخر حتى إن توهمنا أنه يقع في الطرف المقابل له.

إن اللغة ليست أداة اتصال أو تواصل في كل الحالات، بل قد تكون أداة تدليس أو تزوير. وقد يعمد المتكلم إلى عبارات وحركات ومراجع مضمرة مرصودة لهذا الثاني أي السامع، أو هي صائرة إليه. ولعله وحده، وهو المقصود بها، القادر على فكها وإجلائها. ذلك أن الكلام المزدوج أو «المبطن» شأنه شأن اللغة أو تلاوة النص الديني، ففيه نصيب من الخيالي ونصيب من الرمزي. وقد يتناسبان طردا وعكسا.
وهناك ما يسميه علماء النفس قوانين «العقل الباطن» الخاصة بكل فرد، وهي التي تحدد المعنى اللغوي لديه. وهذا لا ينتظم على مقتضى النظام النحوي أو التركيب فحسب، فللخطاب قوانينه الخاصة التي تفرض نفسها على المتلقي ـ السامع بدون أن يعيها ضرورة. والأمر من هذا الجانب أشبه بالموسيقى التي يمكن أن يسمعها المرء بدون أن يستمع إليها، أو بصلاة الجماعة وما يتخللها من تلاوة أو ترانيم كثيرا ما تؤدى بصورة لاإرادية.
لكن مهما يفعل المتكلم أو المخاطب فإن المتلقي هو الذي يضفي دلالة خاصة به على الكلام؛ وفي السياسة مثلا ليس المهم كلام السياسي؛ وإنما الفهم العام له، على الرغم من أن للكلمات والحركات دلالات شتى تتعلق بهذين الطرفين معا أو هي قواسم مشتركة بينهما.
ومن المفيد ألا نغفل استجابة السامع وهو يتواصل مع مخاطبه، إما بإشارات مسموعة أو إيمائية، أو بما هو من دخائل الجسد مثل الإشارات الكيميائية أو الحرارية، فضلا عن قنوات الاتصال المعروفة مثل السماعية والمرئية، فالسمعية تدرك المسموع كلاما ونبرة، فيما المرئية تضبط لغة الجسد من خلال الوضعيات والمواقف التي يتخذها، أي من خلال ما يسمى «المخبر السكوني».
على أننا لا نغفل استجابة السامع وهو يتلقى ولا يتكلم، فلصمته شأن، حتى إن كنا لا ندرك كنهه، وهو الذي لا ينهض على حامل لغوي محسوس. فهو فضاء بَراح قد يتسع وقد يضيق. وهو اسم بلا مسمى أو خواء أو فراغ. ومع ذلك فالصمت «يتكلم» و«بلاغته» يمكن أن تنهض بوظيفة أساسية في حال التخاطب.
ومع هذا كله فإن الأشكال التي تطغى في حال الشفوي؛ إنما هي أشكال العرض عرض عمل ما أو تقديمه. ويمكن أن نضيف إليها الاجتماعات العامة، وكل ما هو سياسي أو نقابي أو وجداني أو عاطفي أو تعبيري أو إيمائي. وإذا كان ذلك كذلك فإن المخاطب ينقل الكلام من جسم اللغة إلى لغة الجسد، الأمر الذي يجعله في الجانب اللافت منه، طقسا من طقوس الأداء أو الفرجة. وهي ليست أشكال اللغة المكتوبة تلك التي تستهدف الدقة والإيجاز. وهي غالبا ما تناله بسهولة وبطرق أيسر من الكلام الشفوي، لأسباب مردها إلى الكتابة إذ بإمكان الذي يكتب ويحرر أن يعيد القراءة وأن يعدل ويشطب ويحذف ما هو حشو أو فضول قول أو إفاضة.

منصف الوهايبي/  كاتب من تونس