شكيب كاظم: نظرة إجمالية إلى واقع الحياة الثقافية


آخر تحديث: October 11, 2018, 7:03 pm


أحوال البلاد

 

شكيب كاظم

 لقد ظلت السلطة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 تنظر بعين الريبة والتوجس الى حركة الثقافة والادب والكتابة، بوصف الكتاب مجموعة من المشاكسين والخارجين على بلادة القطيع وتطامنه وتواكله، لذا لجأ العهد الملكي الذي احترم الحريات العامة – نسبيا – وكان افضل في هذا المجال من الراديكاليين الذين تلوه، لجأ كثيرا الى الغاء امتياز اصدار الصحف، كما قدم اكثر من اديب الى المحاكمة، وفي الذاكرة قصائد حسين مردان 1927 – 1972 المشاكسة العارية، وكان يحظر على منتسبي الدولة الكتابة في الصحف، فكان الكتاب يحتالون على هذا القيد، فيكتبون بأسماء مستعارة وفي الذاكرة كتابات عبد المجيد لطفي وشاكر علي التكريتي، وإبراهيم صالح شكر وغيرهم كثير.

حتى اذا جاء تموز 1958 كان الرقيب على المطبوعات العقيد لطفي طاهر وكان يزاول عمله في دار الاذاعة بالصالحية بداية، شقيق المقدم وصفي طاهر، مرافق رئيس الوزراء الأسبق نوري السعيد، الذي مالبث ان اضحى مرافقا لرئيس الوزراء الجديد الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، ولا ننسى ضيق الزعيم بكتابات شاعر العرب والعراق الأكبر الجواهري وكتاباته في جريدته (الرأي العام) فضلا عن كتابات الأستاذ كامل الجادرجي والمنشئ الانيق نجيب المانع، حتى اذا جاءت الجمهورية الثانية في 8 من شباط/ 1963 اغلق الانقلابيون كل الصحف: البلاد، الزمان، الاخبار، المستقبل، وأخرى كان يصدرها الصحفي الرائد عبد الرزاق البارح، ضاع من بالي اسمها، ومازال في ذاكرتي كتابه عن الزعيم عبد الكريم وعنوانه (معنى عبد الكريم قاسم)! واصدروا جريدتهم: الجماهير، وسمحوا للقوميين العرب بإصدار جريدة (الوحدة) ترأس تحريرها نايف حواتمة وعمل معه: امير الحلو والدكتور باسل الكبيسي – رحمهما الله – وللاخوان المسلمين جريدة (الجهاد) اللتين اوقفتا عن الصدور بُعَيد أسابيع قليلة!

 

وإذ ينقلب الرئيس عبد السلام عارف على البعثيين في 18/ تشرين الثاني/ 1963 فانه يصدر صحيفة (الثورة العربية) لسان حال الاتحاد الاشتراكي العربي فضلا عن مواصلة صدور صحيفة (الفجر الجديد) لطه الفياض و(العرب) لنعمان العاني، و(البلد) للصحفي الرائد عبد القادر البراك و(المنار) ورئيس تحريرها عبد العزيز بركات.

شهد عهد الرئيس عبد الرحمن عارف، ولاسيما بعد كارثة الخامس من حزيران 1967حرية نسبية، فصدرت صحف تداوي جراحات الكارثة ومن وحيها، فصدرت جريدة (صوت العرب) لشاكر علي التكريتي و(الوحدة) لكن شهد أواخر عهده، صدور قانون الصحافة والمطبوعات في شهر كانون الأول/ 1967 وبموجبه اممت الصحف، وتحول الصحفيون الى موظفين كسالى ينتظرون ما تجود به عليهم وكالة الانباء العراقية!

وبعد 1968 ظل الحال على ما هو عليه، صحافة مؤممة تابعة للدولة، مع فرض مزيد من الرقابة والادلجة، حتى رفاقهم في الجبهة، ما نجوا من رقابتهم ومحاولات اختراقهم! وقد استعير هذا النهج، تأميم الصحف وإلغاء حرية الافراد في اصدار صحفهم الخاصة، وفي كل الدول العربية الراديكالية، استعير من الدول الشرقية الاشتراكية الشمولية، ويقف الاتحاد السوفيتي على رأسها، وبقي اخر نموذج لها في سورية، اذ تصدر صحف: البعث، الثورة، تشرين، الوطن!

لقد تحدثت عن حرية الصحافة والصحف ليكون حديثي ظلا لقراءة الحركة الثقافية في العراق، فالصحافة رديف الثقافة والحلبة التي تتبارى فيها الأقلام، فالكتابة تخضع لرقيب قاس، وغالبا يكون جاهلا، او قادما من الثكنة، سواء ثكنة حقيقية ام ثكنة فكرية! لذا لجأ البعض الى نشر كتبهم خارج العراق، وفي الذاكرة رواية (الرجع البعيد) لفؤاد التكرلي، وكتاب (علي بن ابي طالب. سلطة الحق) للمفكر عزيز السيد جاسم، الذي كان نشره سببا أساسا في تغييبه، واعتقال شقيقه الناقد الدكتور محسن جاسم الموسوي والحديث يطول، حتى ان رقيب وزارة الثقافة والاعلام، منع نشر كتابي الثاني وعنوانه (الضفة الثانية. في نقد القصة والرواية) عام 2001 لان فيه ذكرا للروائي العراقي المغترب عبد الرحمن مجيد الربيعي فضلا عن استشهادي بدراسة كتبها الناقد المصري عبد القادر القط، عن رواية (الوشم) للربيعي، او تقديم تعهد بحذف هذه السطور كي ينشر الكتاب!!

وجاء طوفان 2003 صحف كثيرة تبخرت سراعا وحرية نشر لا بل انفلات في هذه الحرية، وطغت على الساحة ظاهرة استسهال النشر فدور النشر مفتوحة الأبواب، ولا مانع لديها من ان تطبع لك حتى مئتي نسخة او مئة! فضلا عن دور النشر في دول الجوار.

وتلاشت صفحات القراء والمبتدئين والشداة، وتلك النصائح التي كان يقدمها المحرر لتقويم كتاباتهم، وتبيان نقاط الضعف فيها، فاذا لم تنشر له في الصفحة الثقافية، فبامكانه النشر على مواقع التواصل الاجتماعي فأمسى يكتب من لا يميز بين عمل الفاعل والمفعول به ولا تسألن عن الأخطاء والاغلاط والخطايا اللغوية والانشائية والنحوية والاملائية، فهو يكتب ولا يعرف مواقع رسم الهمزة رفعا وجرا ونصبا، لا بل سمعت وشاهدت من يرتقي منصة المربد، فيلحن ويخطئ ولا يعرف شيئا عن العروض، فالعروض من آثار الماضي، وقصيدة النثر هي المعول عليها، لانها لا تحتاج الى وزن ولا الى تفعيلة وقافية، ومع كل هذه لا يقبل الا ان تصفه شاعرا!

الامر بحاجة الى وقفة ووقفات، الاهتمام بالتعليم منذ الابتدائية وحتى الجامعية، وان لا تنشر الصحف لكل من هب ودب، ويكتب (ذلك) هكذا (ذالك!) و(نحن) يكتبها هكذا (نحنو)!

وتعاد صفحات القراء، ووضع المؤهلين ثقافيا في رئاسة الأقسام الثقافية بالصحف، وعدم منح عضوية اتحاد الادباء، فضلا عن نقابة الصحفيين، الا لمن يستحقها، وارى ان الغاء المنحة السنوية سيقلل من تهافت بعضهم على بطاقة الهوية، والتقليل من هذه المؤتمرات الثقافية التي تدعى اليها وجوه محددة تتكرر في كل آن وعام تجدهم في كل ندوة ومهرجان يتقدمون الصفوف ، فهي لا تقدم الا النزر اليسير، وبالامكان الاستفادة من هذه المبالغ في تعضيد ونشر كتب أعضاء الاتحاد، وان تعاد الى الوجود جهة تتولى توزيع المطبوع. فالمطبوع على المستوى الرسمي والأهلي، يبقى حبيس المخازن والصناديق الكارتونية تعلوه الاتربة عدا كتب محظوظة تشارك في معارض الكتب على قلتها.الامر بحاجة الى مدارسة ومناقشة ووضع الحلول الناجعة، والا فأن النزف الذي تعانيه الثقافة العراقية بسبب تآكل الكفاءات بالموت، والهجرة والصمت والخوف واللاجدوى، وانحسار القراءة، فالجيل الجديد الذي نشأ على صور المعركة وكل شيء من اجل المعركة وانحلال القيم، لا شأن له بها، سيجعل الثقافة والقراءة اقرب الى ديناصور مضى زمانه، فالزمن زمن اكل وشرب ومتع وسخف ومواقع تواصل وتساخف.

رأي اليوم