فيض الغضب في الضفة


آخر تحديث: October 11, 2018, 6:55 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

تتوالى وقائع العمل الفردي ضد جنود الإحتلال ومستوطنيه. ويتصدى الشباب، فرادى، لمواجة الاستباحة الإسرائيلية المندفعة بخط متصل، لضم 61% من الأراضي الفلسطينية في الضفة. وفي خلفية ممارسات الإستباحة، تجري على قدم وساق، في أروقة التشريع والقضاء الإحتلالي، محاولات شرعنة الضم وفرض الأمر الواقع على المجتمع الفلسطيني بالقوة الغاشمة.

العدو لا يريد أن يعترف أن مهمته صعبة، ومهما كان مدججاً بالسلاح، فإنه سيألم مثلما نألم، ولن يحظى بنهاية مريحة، لأي مسعى لإدامة الاحتلال. فلا مستقبل لكل قوة غاشمة، تتعدى على حياة الناس وتظن أنها ستكسر شوكتهم!

يبدو أن فائض الإحساس بالعجز، هو الذي يدفع قوات الاحتلال وأجهزته الأمنية الى الرعونة والإستمرار في العدوان على مدار الساعة، وهو الذي يجعل المستوطنين القوة الأهم في الضفة الفلسطينية، وليست رديفاً للجيش وحسب. فها هي إيليت شاكيد، المتطرفة ووزيرة "عدل" الإحتلال، لا يعجبها حتى دونالد ترامب، وإن كانت تعترف له بأنه أقل انتقاداً لإسرائيل من الرؤساء السابقين. تشرح وتقول إن إدارة ترامب لم تعد جيدة لمخططات حكومة نتنياهو في الضفة. ثم تناقض نفسها وتستدرك قائلة إن بالإمكان استغلال ما لدى هذه الإدارة من مساندة لإسرائيل، لتطبيق خطة ضم المنطقة ج في الضفة. معنى ذلك أن الناقص لدى ترامب بالنسبة للاحتلال، هو الدفع مع إسرائيل الى ضم كامل. وفي محاذاة هذا المنطق، تجد هؤلاء المحتلين، يستغربون لماذا تحدث عمليات المقاومة الفردية بالطعن والدهس.  فإن كانت وزيرة، يُفترض أنها ذات صلة بالقضاء الذي يتسم عند جميع الأمم بالتروي وتفحص الظواهر والقضايا؛ تقول "إن هذا بالتأكيد، هو الوقت المناسب لتطبيق السيادة الإسرائيلية على المناطق" وهي تعتقد حسب ما صرحت، أن "المجتمع الدولي سيتفهم أن ما تطالب به إسرائيل وسيراه الحل الصحيح". فماذا نتوقع في ظل هذه العنصرية المتطرفة التي تجافي حق المجتمع الفلسطيني وحقوق أجياله الجديدة؟!

الإندفاع الى تجذير نظام التقسيم العرقي وتقليص هامش المناورة القانونية لمكافحة التمييز، وتكريس الظلم العنصري، لكي يصبح جزءاً من الأسس الدستورية لسياسة التهويد، وما يتفرع عن هذا كله في التدابير، على مستويات التخطيط والموازنات ضد المجتمع الفلسطيتي في أراضي 48 يُضاف الى خطط ضم 61% من أراضي الضفة، هو أحد أخطر أشكال المأزق الذي يصنعه المتطرفون المهووسون لدولتهم. لذا وجد بنيامين نتنياهو نفسه، مضطراً لأن يتجه الى تحديد موعد لانتخابات مبكرة. ومن المفارقات أن أعضاء حكومته الذين على يمنيه، يتوهمون أن الظروف الدولية والإقليمية تمثل عنصراً مساعداً على الضم، دون أن يتفحصوا الوقائع الكثيرة، وأهمها وجود نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة، سيشكلون في حالة الضم، رديفاً للكتلة السكانية الفلسطينية في أراضي 48. وعلى الرغم من ذلك، يظن المتطرفون أن دولتهم قادرة على استيعاب غضب ملايين المناوئين لسياستها، وهي تتعامل معهم كنزلاء في مهاجع نوم، ليست لهم اية حقوق سياسية، ومن بين هؤلاء ملايين من الفئات العمرية الشابة التي لا تهاب الصهيوني وتعرف مكامن ضعفه الإجتماعي. فليست الممارسات التي يمارسها جيش حديث مسلح حتى النواجز، إلا انعكاساً ــ على المستويين الاستراتيجي والتاريخي ــ لفائض الضعف. أما الشاب المسلح بسكين المطبخ، فإن غضبه يعبر عن فائض قوة!

المحتلون يؤسسون لإدامة الصراع. وهم لا يريدون أخذ العبرة والتعلم من الدروس. فالفتى صغير السن، الذي لم يشهد من وقائع المأساة الفلسطينية سوى القليل منها مؤخراً، ينفجر غضباً بقلب مفعم بالوطنية وبالهوية. معنى ذلك أن إحتلال الضفة، الذي اعتمد منذ العام 1967 أساليب ممنهجة من القمع العسكري ضد سكان مدنيين محتلين، وثابر على الاستيطان المكثف، ومصادرة الأراضي، وهدم القرى والبيوت، وتدمير الحقول والكروم، فضلاً عن القتل؛ لم ينجح في فرض الرضوخ على شعب فلسطين. وعلى الرغم من ذلك لم يتراجع الواهمون، حتى باتوا يرون في الأراضي المصنفة ج، مساحة ذات أهمية استراتيجية، غنية بالموارد الطبيعية والمياه، وخصبة وتشكل احتياطي أراض مناسب للبناء. فلا فضاء مطلوباً للفلسطينيين ولا موارد ولا مياه.  بالطبع هم يدركون أنهم بهذا المنطق، ينسفون فكرة التسوية التاريخية والدولة الفلسطينية، حتى في صيغتها الإسرائيلية المرجوّة، ويجلبون لأنفسهم مأزقاً كبيراً ثم يبيعون الكلام الكاذب عن إرهاب فلسطيني، كلما وقعت عملية طعن!