خيبة الأمل


آخر تحديث: October 11, 2018, 3:54 pm


أحوال البلاد
بقلم: سهير عبد الرحمن

خيبة الأمل راكبة جمل : كانت هذه جملتها الشهيرة ظننتها لا تعرف مثلا شعبيا آخر من كثرة ترديدها لهذا المثل . كان يناسب حياتها المأساوية و الخيبات التي صادفتها واحدة تلو الأخرى.
في قريتنا عاشت نوال في بيت جدي والد أبي. لقد تيتمت نوال و هي في السنة الأولى من عمرها. اختطفت البلهارسيا اللعينة أباها الفلاح الوسيم و ترك أمها الجميلة لتجرب نصيبها في الزواج مرة أخرى.هذه المرة من ناظر مدرسة ابتدائية يكبرها بثلاثين عاما, مطلق و له ولد. اشترط ألا تعيش نوال معهم في القاهرة.
و لكن نوال أسبغ عليها حب الجد و الجدة في منزل ملئ بالعمات و الأعمام الشباب. بيت جدي المطل على ترعة الإسماعيلية كان بيت عز و مرح و كرم و بهجة. و لكن غياب الأم ترك هذا الحزن الشجي في عيون نوال.
لم تفلح في الدراسة. كانت تفضل الدردشة مع الفتيات في الحارة و كانت شغوفة بقصص الخطبة و الزواج. كانت تحلم بصوت عالي بالحب و العريس الذي ستفرش له السرير وردا و ياسمينا. مسكينة نوال لأن عريسها سمع نصيحة زملائه و ذبح لها القطة في ليلة الدخلة.
لم تسعد نوال بحياة زوجية سعيدة . كانت دوما هاربة من منزل الزوجية بألف حجة و حجة. لقد كرهت زوجها رغم أنها أنجبت منه بنتين و ولدين. لم تكن ربة منزل جيدة . كانت كالطفلة تشاهد أفلام عبد الحليم و صباح و تعاود حلمها في الحب و الحنان المفقودين.
كانت حواديتها لنا في المساء حواديت عن الجن و الشياطين .كنا نفزع و ننتهي بكوابيس طوال الليل و لكن في اليوم الثاني كنا نعاود طلبنا : ( احكي لنا حكاية الجنية يا نوال). هذا التكرار و نفس الرجفة و الخوف كان يمتعنا و نحن نجلس أمام منزل جدي نراقب في ظلام القرية الدامس السيارات القادمة على ( الزراعية ) : هذه سيارة تضحك...هذه سيارة تكشر عن أنيابها....
كان منظر الترعة في الليل كمسرح لأحداث جنيات نوال و غرقى القرية. كان فيلم رعب تخرجه ابنة عمتنا نوال.
عندما نعوا لي نوال التي صرعها سرطان المخ بكيت بحرقة عليها و أنا أردد : خيبة الأمل راكبة جمل!